لقد فهموا قوله:"فما فوقها"أنها أكبر منها ، والمراد غير ذلك ؛ لأنه سبحانه ضرب المثل بالأقل ؛ لذلك قال:"فما فوقها"من باب فما فوقها في الاحتقار منكم والقلة في الحجم مما تنكرونه ، وهو الضآلة . وحتى تفهم ذلك نسمع أحياناً: فلان مريض . ويراد السامع وفلان فوقه في المرض . ونجد"فوقه"هنا لا تعني المرض الأقل ، بل المرض الأكثر شدة: {... ذَّلِكَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فاقصص القصص لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176]
والكلام موجه لليهود: أي أنتم يا بني إسرائيل مَثَلكم مثل الرجل الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ، ولقد جاءت لكم في التوراة بشارة بمحمد ، ووصفته بسمات وعلامات ، بحيث إذا رآه الإنسان يعرف أنه الرسول الذي جاء ذكره في التوراة ، ويعرفه الواحد منكم كما يعرف ابناً له ، لأنه مذكور لكم بنصه ونعته وشكله وطوله ، وعرضه . وكنتم تستفتحون به على العرب . لكنكم امتنعتم عن التصديق بالآيات ، وعندما جاءكم بما عرفتم عنه كفرتم به . وصار مثلكم كمثل الرجل الذي آتاه الله الآيات فانسلخ منها . {ذَّلِكَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا}
وهم بعنادهم وبغيهم وكفرهم قد كذبوا بالآيات الكونية التي يراها البصر ؛ السماء والأرض والشمس ، والآيات المعجزات التي يثبت بها الرسول صدق بلاغه عن الله ، وكذلك آيات القرآن التي تحمل منهج الله .
{فاقصص القصص لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} وعليك يا محمد أن تقصص القصص وأن تقول ما حدث وما كان ، وأنت لن تحكي الأمر التافه ، بل ستحكي ما يقال له قصص ويكون فيه عبرة ؛ تنتفع بها حركة المجتمع .
ويذيل الحق الآية بقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} ، ونعلم أن القرآن قد جاء فيه الأمر بالتفكر والتذكر والتدبر .
والتفكر - كما نعرف - هو عمل العقل في المقارنات بين البديلات المتنوعة لِيُرَجّح بدلاً على بديل فتُعقلَ به القضايا .