وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ (33: 72) الْأَمَانَةُ هِيَ عَهْدٌ وَمِيثَاقٌ . فَامْتِنَاعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ مِنْ حَمْلِ الْأَمَانَةِ خُلُوُّهَا مِنَ الْعَقْلِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الْفَهْمُ وَالْإِفْهَامُ ، وَحَمْلُ الْإِنْسَانِ إِيَّاهَا لِمَكَانِ الْعَقْلِ فِيهِ . قَالَ: وَلِلْعَرَبِ فِيهَا ضُرُوبُ نَظْمٍ فَمِنْهَا قَوْلُهُ:
ضَمِنَ الْقَنَانُ لِفَقْعَسٍ بِثَبَاتِهَا ... إِنَّ الْقَنَانَ لِفَقْعَسٍ لَا يَأْتَلِي
وَالْقَنَانُ: جَبَلٌ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ لِفَقْعَسٍ وَضَمَانُهُ لَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ مِنْ هَزِيمَةٍ أَوْ خَوْفٍ لَجَئُوا إِلَيْهِ فَجَعَلَ ذَلِكَ كَالضَّمَانِ لَهُمْ ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ:
كَأَجَارِفِ الْجُولَانِ هَلَّلَ رَبَّهُ ... وَجُورَانُ مِنْهَا خَاشِعٌ مُتَضَائِلُ
وَأَجَارِفُ الْجَوَلَانِ جِبَالُهَا ، وَجُورَانُ الْأَرْضُ الَّتِي إِلَى جَانِبِهَا . وَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ إِنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ دَلِيلًا عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ; لِأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمَ أَنَّ هَذَا الْأَخْذَ لِلْعَهْدِ عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ، وَالْغَفْلَةُ هَاهُنَا لَا تَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: