وَهَاهُنَا أَرْبَعُ مَقَامَاتٍ (أَحَدُهَا) أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ اسْتَخْرَجَ صُوَرَهُمْ وَأَمْثَالَهُمْ ، فَمَيَّزَ شَقِيَّهُمْ وَسَعِيدَهُمْ وَمُعَافَاهُمْ مِنْ مُبْتَلَاهُمْ . (وَالثَّانِي) أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَقَامَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ حِينَئِذٍ ، وَأَشْهَدَهُمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِمْ مَلَائِكَتَهُ . (الثَّالِثُ) أَنَّ هَذَا هُوَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (الرَّابِعُ) أَنَّهُ أَقَرَّ تِلْكَ الْأَرْوَاحَ كُلَّهَا بَعْدَ إِخْرَاجِهَا بِمَكَانٍ وَفَرَاغٍ مِنْ خَلْقِهَا ، وَإِنَّمَا يَتَجَدَّدُ كُلَّ وَقْتِ إِرْسَالِ جُمْلَةٍ مِنْهَا بَعْدَ جُمْلَةٍ إِلَى أَبْدَانِهَا .
(فَأَمَّا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ) فَالْآثَارُ مُتَظَاهِرَةٌ بِهِ مَرْفُوعَةً وَمَوْقُوفَةً . (وَأَمَّا الْمَقَامُ الثَّانِي) فَإِنَّمَا أَخَذَهُ مَنْ أَخَذَهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الْآيَةِ وَظَنُّوا أَنَّهُ تَفْسِيرُهَا ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَثَرِ . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ اللهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ لِأَمْثَالِ الذَّرِّ الَّتِي أَخْرَجَهَا فَهْمًا تَعْقِلُ بِهِ كَمَا قَالَ: قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ (27: 18) وَقَدْ سَخَّرَ مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ تُسَبِّحُ مَعَهُ وَالطَّيْرَ . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَكُبَرَاءِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ اللهَ أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ صُلْبِهِ وَأَصْلَابِ