ونحو ذلك قال الكلبي، والقولان متقاربان؛ لأن الغضب من الحزن؛ والحزن من الغضب، فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت، وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، يسمى أحدهما: حزنًا، والآخر: غضبًا، وأصلهما أن يصيبك ما تكره.
يدل على هذا ما قاله الليث: (الأسَفُ في حال الحُزن، وفي حال الغَضَب إذا جاءك أمر ممن هو دونك فأنت أسف [أي: غضبان، وقد آسَفَك، وإذا جاءك أمر ممن هو فوقك فحزنت له ولم تطقه فأنت أسف] أي: حزين) . ومن هذا قال القائل:
فحُزْنُ كل أخي حزنٍ أخو الغضب
فبين مقاربة ما بينهما، وعلى هذين المعنيين استعملت العرب الأسف. قال الأعشى:
أرى رجلاً منهم أسيفًا كأنما ... يضم إلى كشحيه كفًّا مخضبا
يقول: كأن يده قطعت واختضبت بدمه فغضب لذلك، فهذا في الغضب، وأما في الحزن فما روى في حديث عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: إن أبا بكر رجل أسيف.
قال أبو عبيد: (الأسيف: السريع الحزن والكآبة، قال: ويقال من هذا كله: أسفت آسف أسفا) ، فعلى هذا كان موسى غضبان على قومه لأجل عبادتهم العجل {أَسِفًا} حزينًا لأن الله فتنهم، وقد كان قال له: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ} [طه: 85] .
وقال الكلبي: {أَسِفًا} حزينًا لعبادة العجل.
وقوله تعالى: {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي} . أي: بئسما عملتم بعدي، يقال: خلّفه بما يكره، وخَلَفه بما يحب إذا عمل خلفه ذلك العمل. قال ابن عباس: (يريد: اتخاذهم العجل وكفرهم بالله) .
وقوله تعالى: {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} . معنى العَجَلة: المتقدم بالشيء قبل وقته، ولذلك صارت مذمومة، والسرعة غير مذمومة؛ لأن معناها: عمل الشيء في أقل أوقاته.
قال الفراء والزجاج: (يقال: عجلت الشيء إذا سبقته، وأعجلته أي: استحثثته) .
ومعنى {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} . قال ابن عباس: (يعني: ميعاد ربكم فلم تصبروا له) .