التكبر في الأرض بغير الحق ولا يكون التكبر بحق قط، وهذا وصف كاشف لبيان مضرة الكبر وفساده أن التكبر يجعل التكبر لَا يفكر إلا في نفسه وما يستعلى به على الناس، فإذا غمره كبره في هذا لَا يرى إلا من ورائه، فلا يتجه نظره إلى ما يجب عليه، بل يتجه إلى ما يحسبه حقا له، وبذلك ينصرف عن الخير منصرفه فيصرفه الله عنه، وهذا قوله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) ، فصرْف الله تعالى للمتكبرين نضيجة حتمية لانصرافهم لغمرتهم في الكبر، فهو سبب هذه النتيجة وقوله تعالى: (بِغَيْرِ الْحَقِّ) ، هو كشف لحقيقة المستكبرين من الطغاة والحكام، وكل المفسدين في الأرض.
ولقد صور الله تعالى تفكيرهم فقال في نظرهم إلى الحق وإلى الباطل تعالت كلماته: (وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا) ، لأن قلوبهم صرفها هواهم عن الحق، فصارت متدرنة بالباطل لَا تستسيغ الحق. إن كل آية، أي آية مهما تكن
واضحة الدلالة بينة الهداية (لا يُؤْمِنُوا بِهَا) لَا يصدقون بها، لأنهم عميت عن الحق أبصارهم، وأصبحوا في صمم عنه، فإن القلب إذا أعمي كره الحق، وغفل عن آياته، ومثل ذلك آل فرعون، جاءتهم العصا فكفروا بها، وجاءت يد موسى بيضاء تلمح بالنور، فأعرضوا، وأصابهم الله بالعذاب، وأصاب أنفسهم وأموالهم وزروعهم، ورأوا آيات فيهم رأي العين، وخضعوا بالحس لله، ولكن ما زالت قلوبهم كافرة فاتجهوا إلى الله رب موسى وربهم، وطلبوا إلى موسى أن يدعو الله ليكشف عنهم، فلما كشف ذهب نور الإيمان، وبقي ما استقر في نفوسهم بسبب الكفر.