وقوله تعالى: (فَلا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ منْهُ) ، الفاء هنا لترتب ما بعدها على ما قبلها، والمعنى: هذا كتاب مبارك هاد مرشد، منير للحق، فإذا لم يجيبوا فلا يكن في صدرك ضيق، فليس ذلك لنقص فيك أو فيه، وإنما هو لنقص فيهم وقد أنذرتهم، وحسبك ذلك وكفى.
وقد ذكر الله غاية الكتاب والرسالة فقال: (لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) .
فالغاية من الكتاب الخالد أنه معجز بذاته، ولتنذر به الذين يكفرون، بأن تبين بالكتاب عاقبة كفرهم، وسوء النتيجة التي تنزل بهم، وهي العذاب الأليم، وليس عليك تبعة كفرهم، إنما أنت منذر ولكل قوم هاد، وإنك لَا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء.
هذا بالنسبة لمن لم يؤمن، فهو لهبم منذر مبين يحمل دليله في ذاته، وبالنسبة للمؤمنين قال تعالى: (وَذِكرَى لِلْمؤْمِنِينَ) والذكرى هي التذكير الدائم، فهذا الأمر ذكرى لكذا، أي مذكر دائم مستمر، يرجعون إليه، والقرآن ذكرى دائمة فيه التذكير الدائم برسالة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيه تذكير بالشريعة؛ لأن فيه كلياتها، وفيه تذكير بالرسل أجمعين؛ لأنه سجل معجزاتهم، وفيه تذكير دائم بالله تعالى وهو العلي الحكيم، وفيه الأوامر والنواهي، ولذلك قال تعالى:
(اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(3)
إذا كان القرآن فيه ذكرى للمؤمنين، وإنذار للكافرين فاتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم مما يشتمل عليه القرآن الكريم، وما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، فما أمركم به فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، فكل ما أمر به فقد أمر به الله، فما كان ينطق عن الهوى (من يُطِع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ... ) .
وقوله: (اتَبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكم مِّن رَّبكِمْ) فيه إشارات بيانية:
الأولى: أن ما اسم موصول صلته أنزل إليكم من ربكم، والصلة تكون سببا للحكم أو الأمر، فاتبعوا ما جاء به القرآن والنبي. وسبب ذلك أنه أنزل من ربكم الذي هو أعلم بما فيه صلاحكم في الدنيا والآخرة؛ لأنه ربكم الذي ذرأكم وإليه مرجعكم.