{فإن كذبوك فقل: ربكم ذو رحمة واسعة ، ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين} .
فقل ربكم ذو رحمة واسعة بنا ، وبمن كان مؤمنا من عباده ، وبغيرهم من خلقه. فرحمته - سبحانه - تسع المحسن والمسيء ؛ وهو لا يعجل على من استحق العقاب ؛ حلما منه ورحمة. فإن بعضهم قد يثوب إلى الله.. ولكن بأسه شديد لا يرده عن المجرمين إلا حلمه ، وما قدره من إمهالهم إلى أجل مرسوم.
وهذا القول فيه من الإطماع في الرحمة بقدر ما فيه من الإرهاب بالبأس. والله الذي خلق قلوب البشر ؛ يخاطبها بهذا وذاك ؛ لعلها تهتز وتتلقى وتستجيب.
وعندما يصل السياق إلى هذا الحد من تضييق الخناق عليهم ، وسد الذرائع في وجوههم ، يواجه مهربهم الأخير الذين يحيلون عليهم شركهم وضلال تصوراتهم وتصرفاتهم.. إنهم يقولون: إنهم مجبرون لا مخيرون فيما اعتسفوا من شرك وضلال. فلو كان الله لا يريد منهم الشرك والضلال لمنعهم منه بقدرته التي لا يعجزها شيء:
{سيقول الذين أشركوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ، ولا حرمنا من شيء . كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا. قل: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن ، وإن أنتم إلا تخرصون. قل: فلله الحجة البالغة ، فلو شاء لهداكم أجمعين} :
وقضية الجبر والاختيار كثر فيها الجدل في تاريخ الفكر الإسلامي بين أهل السنة والمعتزلة والمجبرة والمرجئة... وتدخلت الفلسفة الإغريقية والمنطق الإغريقي واللاهوت المسيحي في هذا الجدل ، فتعقد تعقيداً لا تعرفه العقلية الإسلامية الواضحة الواقعية.. ولو أخذ الأمر بمنهج القرآن المباشر الميسر الجاد ، ما اشتد هذا الجدل ، وما سار في ذلك الطريق الذي سار فيه.
ونحن نواجه قول المشركين هذا والرد القرآني عليه ، فنجد قضية واضحة بسيطة محددة: