قلت: حتى وإن حذفوا لفظة (بكرك) من التوراة ووضعوا مكانها وحيدك وألصقوا بجوارها اسم إسحاق فهذا لا يعنى أن الذبيح هو إسحاق، والجواب من كتبهم معلوم في الشريعة من لدن آدم -عليه السلام- إلى موسى -عليه السلام- مؤكد بأن البكر هو الذي يقرب ولا يبطل فضيلة البكورية شيء، وإليك الدليل من عندهم فقد جاء في سفر العدد (كُلَّ بِكْرٍ فِي إِسْرَائِيلَ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ. لِي يَكُونُونَ) (العدد 8/ 17) ، وفي سفر الخروج (وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: بَدَلَ كُلِّ بِكْرٍ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَكُونُ اللَّاوِيُّونَ لِي.) (الخروج 13/ 1) ، فلو قالوا كما يعتقدون أن الذبيح إسحاق للزمهم أن يقولوا أنه هو البكر لإبراهيم، وهم يعلمون كما في عقيدتهم أن أول ولد لإبراهيم هو إسماعيل وقد تقدم ذلك.
البكر في اللغة:
أول ولد الرجل غلامًا كان أو جارية، وبكر الرجل بالكسر أول ولده، وبكر كل شيء أوله.
وإن قيل إن هاجر لم تكن زوجة لإبراهيم وإنما كانت من سراريه.
وقد قال بذلك اليهود والنصارى لينالوا من السيدة هاجر ولكننا نأتي لهم أيضًا بنصوص من أسفارهم تقطع بعكس ما يقولون وتثبت ضد ما يزعمون، أي تثبت أن هاجر زوجة لإبراهيم، وإليك النص:(فأخذت ساراى امرأته هاجر المصرية خادمتها
فأعطتها لإبرام زوجها لتكون زوجة) (التكوين 16/ 3) ، كذلك في نفس السفر نجد أن (راميل) زوجة يعقوب الثانية حينما وجدت نفسها عقيمًا لا تلد طلبت منه -عليه السَّلام- أن يدخل بجاريتها (بلهة) ووجه الاستشهاد أن عبارة السفر تقطع بأن هذه الجارية قد صارت زوجة (فَأَعْطَتْهُ بِلْهَةَ جَارِيَتَهَا زَوْجَةً، فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَعْقُوب) (التكوين 30/ 4: 1) .
إن إصرار اليهود على جعل إسحاق هو الذبيح دون إسماعيل له جانب هام يفوق في أهمية جانب البحث التاريخي الذي يراد به مجرد العلم باسم الذبيح من ابني إبراهيم، فإنه اختلاف يتعلق به اختيار الشعب الموعود ويتعلق به الحذف والإثبات في سيرة إبراهيم ليتصل بذرية إسحاق وينقطع عن ذرية إسماعيل أو ليثبت من سيرته كل ما يتعلق بإسرائيل ينقطع منها كل ما يتعلق بالعرب.