وما دام من حق غيري أن يجتهد، فمن شأن الأمور الاجتهادية أن تختلف فيها الآراء والأفهام، وإلا لم تكن اجتهادية -
سواء رأينا أن الصواب مع أحد الرأيين أو الآراء وإن لم يعرف هو بعينه، فإن حكم الله واحد في المسألة، وفق إليه بعضهم، وإن لم نتيقن من هو، وأخطأه غيره، وإن لم نتأكد من هو أيضا، إلا أن الإثم مرفوع عن الجميع، بل المخطئ مأجور أيضا على اجتهاده أجرا واحدا، كما صح في الحديث، فإن فاته أجر الإصابة فلم يفته أجر الاجتهاد -
وهنا أقص ما يقوله المجتهد عن نفسه في الأحكام الجزئية، والفروع العملية ما روي عن الإمام الشافعي، رضي الله عنه، أنه قال: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب -
وهذا الاحتمال من الجانبين ـ احتمال الخطأ في رأي المجتهد، واحتمال الصواب في رأي غيره ـ هو الذي يقرب المسافة بين الطرفين -
وهذا من إنصاف الشافعي رضي الله عنه، وسعة علمه، ورحابة أفقه -
أم أخذنا بالقول الذي يرى أن الآراء الاجتهادية ـ ما دامت صادرة عن أهل الاجتهاد ـ كلها صواب، وإن حكم الله في المسألة يمكن أن يتعدد، فيكون الصواب فيها هو ما انتهى إليه اجتهاد كل مجتهد، وهو ما نتحدث عنه في الفقرة التالية -
2 -إمكان تعدد الصواب
مما يعين على التسامح في الخلافيات واحترام الرأي الآخر: الاعتقاد بإمكان تعدد الصواب -
وهنا سؤال يطرح ويحتاج إلى إجابة، وهو: هل يمكن أن يتعدد الصواب في الأمر الواحد، أم أن الصواب لا يكون إلا وجها واحدا دائما وأبدا، لا يحتمل التعدد بحال؟
والجواب: أن في الأصوليين من يرى أن الصواب يتعدد في أحكام الفروع، وأن الصواب في كل مسألة ما انتهى إليه حكم المجتهد فيها، وإن اختلفت الاجتهادات ونتائجها، اختلاف تضاد، لا مجرد اختلاف تنوع، بأن رأى أحدهم حل هذا الشيء والآخر حرمته، أو رأى أحدهم وجوبه، ورأى غيره عدمه -
وهؤلاء هم المعروفون في علم الأصول باسم (المصوبة) ولهم أدلتهم واعتباراتهم ولمخالفيهم أدلتهم وردودهم عليهم -