والمراد بالبعض المنصوب المشركون فهم المفتونون ، وبالبعض المجرور بالباء المؤمنون ، أي فتنَّا عظماءَ المشركين في استمرار شركهم وشِرْك مقلِّديهم بحال الفقراء من المؤمنين الخالصين كما دلّ عليه قوله: {لِيَقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا} [الأنعام: 53] فإنّ ذلك لا يقوله غير المشركين ، وكما يؤيِّده قوله تعالى في تذييله {أليس الله بأعلمَ بالشاكرين} .
والقول يحتمل أن يكون قولاً منهم في أنفسهم أو كلاماً قالوه في مَلئهم.
وأيّاً ما كان فهم لا يقولونه إلاّ وقد اعتقدوا مضمونه ، فالقائلون {أهؤلاء مَنّ الله عليهم} هم المشركون.
واللام في قوله: {ليقولوا} لام التعليل ، ومدخولها هو أثرُ العلّة دالّ عليها بعد طيِّها على طريقة الإيجاز.
والتقدير: فتنَّاهم ليَرَوْا لأنفسهم شفوفاً واستحقاقاً للتقدّم في الفضائل اغتراراً بحال الترفّه فيعجبوا كيف يُدعى أنّ الله يمنّ بالهدى والفضل على ناس يرونهم أحطّ منهم ، وكيف يُعَدّونهم دونَهم عند الله ، وهذا من الغرور والعُجب الكاذب.
ونظيره في طيّ العلَّة والاقتصار على ذكر أثرها قول إياس بن قبيصة الطائي:
وأقدمتُ والخَطِّيُّ يَخطِرُ بَيْنَنَا...
لأعْلَمَ مَنْ جَبَانُهَا من شُجاعها
أي ليظهر الجَبَان والشجاع فأعلَمَهُمَا.
والاستفهام مستعمل في التعجّب والإنكار ، كما هو في قوله {أألقي الذكرُ عليه من بيننا} [القمر: 25] .
والإشارة مستعملة في التحقير أو التعجيب كما هي في قوله تعالى حكاية عن قول المشركين {أهذا الذي يذكر آلهتكم} في سورة [الأنبياء: 36] .
وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لقصد تقوية الخبر.
وقولهم: مَنّ الله عليهم قالوه على سبيل التهكّم ومجاراة الخصم ، أي حيث اعتقد المؤمنون أنّ الله منّ عليهم بمعرفة الحق وحَرم صناديد قريش ، فلذلك تعجَّب أولئك من هذا الاعتقاد ، أي كيف يُظنّ أنّ الله يمنّ على فقراء وعبيد ويترك سادة أهل الوادي.