وشاهد هذا التّفسير ما جاء في حكاية النّبي نوح (عليه السلام) التي تشبه حكاية أشراف قريش، فأُولئك كانوا يقولون لنوح: (أنؤمن لك واتبعك الأرذلون) فيرد عليهم نوح قائلا: (وما علمي بما كانوا يعملون إِنّ حسابهم إِلاّ على ربّي لو تشعرون، وما أنا بطارد المؤمنين) .
من هنا يجب على الأنبياء أن يتقبلوا كل امرئ يظهر الإِيمان بدون أي تمييز ومن أية طبقة كان فكيف بالمؤمنين الأطهار الذين لا يريدون إِلاّ وجه الله، وكل ذنبهم هو أنّهم فقراء صفر اليدين من الثروة، ولم يتلوثوا بالحياة الدنيئة لطبقة الأشراف!
امتياز كبير للإِسلام:
إِنّنا نعلم أنّ دائرة صلاحيات رجال الدين المسيحيين المعاصرين قد اتسعت اتساعاً مضحكاً بحيث إِنّهم أعطوا أنفسهم حق غفران الذنوب، فبإمكانهم طرد الأشخاص وتكفيرهم أو قبولهم لأتفه الأُمور.
إِلاّ أنّ القرآن، في هذه الآية وفي آيات أُخرى ينفي صراحة أن يكون لأحد الحقّ، بل ولا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه في أن يطرد أحداً أظهر إِيمانه ولم يفعل ما يوجب إِخراجه من الإِسلام، وأن غفران الذنوب والحساب بيد الله وحده، ولا يحق لأحد التدخل في هذا أبداً.
والكلام هنا على"الطرد الديني"لا"الطرد الحقوقي"فلو كانت إِحدى المدارس وقفاً على طبقة خاصّة من الطلاب، وقبل أحدهم فيها لتوفر شروط القبول فيه، ثمّ فقد بعض تلك الشروط، فإن طرده وإِخراجه من تلك المدرسة لا مانع فيه، كذلك لو أنّ مدير مدرسة أُعطيت له صلاحيات معينة لغرض إِدارة شؤونها، فله كل الحقّ في الإِستفادة من تلك الصلاحيات لحفظ النظام ورعاية مصالح المدرسة (فما ورد في حديث صاحب تفسير المنار عند تفسيره الآية ممّا يخالف هذا المعنى ناشئ من الاشتباه بين الطرد الديني والطرد الحقوقي) . انتهى انتهى. {الأمثل حـ 4 صـ 299 - 302}