والحلفاء {وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [الأنعام: 53] الآية فلما نزلت أقبل عمر رضي الله تعالى عنه فاعتذر من مقالته فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بآياتنا} [الأنعام: 54] الآية.
والغداة أصله غدوة قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وأصل العشي عشوي قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وفاء بالقاعدة ، والظاهر أنه مفرد كالعشية وجمعه عشايا وعشيات ، وقيل: هو جمع عشية وفيه بعد ، ومعنى الأول لغة البكرة أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس ، ومعنى الثاني آخر النهار ، والمراد بهما ههنا الدوام كما يقال فعله مساء وصباحاً إذا داوم عليه ، والمراد بالدعاء حقيقته أو الصلاة أو الذكر أو قراءة القرآن أقوال.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد أنهما عبارة عن صلاتي الصبح والعصر لأن الزمان كثيراً ما يذكر ويراد به ما يقع فيه كما يقال صلى الصبح والمراد صلاته وقد يعكس فيراد بالصلاة زمانها نحو قربت الصلاة أي وقتها ، وقد يراد بها مكانها كما قيل في قوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى} [النساء: 43] أن المراد بالصلاة المساجد ، وخصا بالذكر لشرفهما.
والأقوال في الدعاء جارية على هذا القول خلا الثاني ، وقرأ ابن عامر هنا وفي الكهف (82) (الغدوة) بالواو وهي قراءة الحسن ومالك بن دينار وأبي رجاء العطاردي وغيرهم ، وزعم أبو عبيد أن من قرأ بالواو فقد أخطأ لأن غدوة علم جنس لا تدخله الألف واللام ، ومنشأ خطئه أنه اتبع رسم الخط لأن الغداة تكتب بالواو كالصلاة والزكاة وقد أخطأ في هذه التخطئة لأن غدوة وإن كان المعروف فيها ما ذكره لكن قد سمع مجيؤها اسم جنس أيضاً منكراً مصروفاً فتدخلها أل حينئذ ، وقد نقل ذلك سيبويه عن الخليل ، وتصديره بالزعم لا يدل على ضعفه كما يشير إليه كلام الإمام النووي في"شرح مسلم"وذكره جم غفير من أهل اللغة.