والمرادُ بذكر الوقتين الدوامُ وقيل: صلاةُ الفجر والعصر وقرئ (بالغُدوة) وقوله تعالى: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} حال من ضمير (يدعون) أي يدعونه تعالى مخلصين له فيه، وتقييدُه به لتأكيد علِّيتِه للنهي، فإن الإخلاصَ من أقوى موجبات الإكرام المضادِّ للطرد، وقوله تعالى: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيْء} اعتراضٌ وسطٌ بين النهي وجوابه تقريراً له ودفعاً لما عسى يُتوَهم كونُه مسوِّغاً لطردهم من أقاويلِ الطاعنين في دينهم، كدأب قوم نوحٍ حيث قالوا: {مَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرأي} أي ما عليك شيء ٌ ما مِنْ حساب إيمانهم وأعمالِهم الباطنة حتى تتصدَّى له وتنْبي على ذلك ما تراه من الأحكام، وإنما وظيفتُك حسبما هو شأنُ منصِبِ النبوة اعتبارُ ظواهرِ الأعمال وإجراءُ الأحكام على موجبها، وأما بواطنُ الأمور فحسابُها على العليم بذات الصدور كقوله تعالى: {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ على رَبّى} وذكرُ قوله تعالى: {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَيْء} مع أن الجوابَ قد تم بما قبله للمبالغة في بيان انتفاءِ كون حسابِهم عليه صلى الله عليه وسلم بنظمه في سِلْك ما لا شُبهة فيه أصلاً، وهو انتفاءُ كونِ حسابه عليه السلام عليهم على طريقة قولِه تعالى: {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} وأما ما قيل من أن ذلك لتنزيل الجملتين منزلةَ جملةٍ واحدةٍ لتأدية معنى واحدٍ على نهج قوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} فغيرُ حقيقٍ بجلالة شأن التنزيل، وتقديم (عليك) في الجملة الأولى للقصد إلى إيراد النفي على اختصاص حسابهم به صلى الله عليه وسلم إذ هو الداعي إلى تصدّيه عليه الصلاة والسلام لحسابهم، وقيل: الضمير للمشركين، والمعنى: أنك لا تؤاخَذُ بحسابهم حتى يُهمَّك إيمانُهم ويدعُوَك الحِرْصُ عليه إلى أن تطرُدَ المؤمنين، وقوله تعالى:
فَتَطْرُدَهُمْ جواب النفي وقوله تعالى: {فَتَكُونَ مِنَ الظالمين} جواب النهي وقد جُوِّز عطفُه على (فتطردَهم) على طريقة التسبيب وليس بذاك. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 3 صـ}