فالتصرف المطلق إنما هو لله القادر على كل شيء ، وليس من موضوع الرسالة أن يكون الرسول المبلغ عنه أمر الدين قادرًا على ما لا يقدر عليه البشر من التصرف في المخلوقات بالأسباب، فضلًا عن التصرف بغير سبب مما طلبه المشركون منه، وجعلوه شرطًا للإيمان به، كتفجير الينابيع والأنهار في أرض مكة، وإيجاد الجنات والبساتين فيها، وإسقاط السماء عليهم كسفًا، والإتيان بالله والملائكة قبيلًا. {وَلَا} أقول لكم: إني {أَعْلَمُ الْغَيْبَ} فأخبركم بما مضى وما سيقع في المستقبل، وذلك أنهم قالوا له: أخبرنا بمصالحنا ومضارنا في المستقبل حتى نستعد لتحصيل المصالح ودفع المضار، فأجابهم بقوله: {ولا أعلم الغيب} فأخبركم بما تريدون.
فصل في بحث الغيب
والغيب ما غيب علمه عن الناس بعدم تمكينهم من أسباب العلم به، وهو قسمان:
1 -غيب حقيقي، وهو ما غاب عن جميع الخلق حتى الملائكة، وهو المعنيّ بقوله تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} .
2 -غيب إضافي، وهو ما غاب علمه عن بعض المخلوقين دون بعض، كالذي يعلمه الملائكة من أمر عالمهم وغيره لا يعلمه البشر.
أمّا يعلمه بعض البشر بتمكينهم من أسبابه واستعمالهم لها، ولا يعلمه غيرهم لجهلهم بتلك الأسباب أو عجزهم عن استعمالها، فليس بداخل في عموم الغيب الوارد في كتاب الله، وهذه الأسباب ضروب:
1 -ما هو علمي كالدلائل العقلية والعلمية، فعلماء الرياضة يستخرجون من دقائق المجهولات ما يعجز عنه أكثر الناس، ويضبطون ما يقع من الخسوف والكسوف بالدقائق والثواني قبل وقوعه بألوف الأعوام.
2 -ما هو عملي كالبرق الأثيري [التلغراف اللاسلكي] الذي يعلم به المرء ما يقع في أقاصي البلاد من وراء البحار، وبينه وبينها ألوف الأميال.
3 -ما هو إدراكات نفسية خفية تصل إلى مرتبة العلم، كالفراسة والإلهام، وأكثر هذا النوع هواجس تلوح للنفس، ولا يجزم بها الإنسان إلا بعد وقوعها.