وجحْدها إنكار أنّها من آيات الله، أي تكذيب الآتي بها في قوله: إنّها من عند الله، فآل ذلك إلى أنّهم يكذّبون الرسول عليه الصلاة والسلام فكيف يجمع هذا مع قوله {فإنّهم لا يكذّبونك} على قراءة الجمهور.
والذي يستخلص من سياق الآية أنّ المراد فإنّهم لا يعتقدون أنّك كاذب لأنّ الرسول عليه الصلاة والسلام معروف عندهم بالصدق وكان يلقّب بينهم بالأمين.
وقد قال النضر بن الحارث لمّا تشاورت قريش في شأن الرسول:"يا معشر قريش قد كان محمد فيكم غلاماً أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثاً حتّى إذا رأيتم الشيب في صدغيه قلتم ساحر وقلتم كاهن وقلتم شاعر وقلتم مجنون ووالله ما هُو بأولئكم".
ولأنّ الآيات التي جاء بها لا يمتري أحد في أنّها من عند الله، ولأنّ دلائل صدقه بيِّنة واضحة ولكنّكم ظالمون.
والظالم هو الذي يجري على خلاف الحقّ بدون شبهة.
فهم ينكرون الحق مع علمهم بأنّه الحق، وذلك هو الجحود.
وقد أخبر الله عنهم بذلك وهو أعلم بسرائرهم.
ونظيرها قوله تعالى حكاية عن قوم فرعون {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلُوّاً} [النمل: 14] فيكون في الآية احتباك.
والتقدير: فإنّهم لا يكذّبونك ولا يكذّبون الآيات ولكنّهم يجحدون بالآيات ويجحدون بصدقك، فحذف من كلَ لدلالة الآخر.
وأخرج الترمذي عن ناجية بن كعب التابعي أنّ أبا جهل قال للنبيء صلى الله عليه وسلم لا نكذّبك ولكن نكذّب ما جئت به.
فأنزل الله {فإنّهم لا يكذّبونك ولكنّ الظالمين بآيات الله يجحدون} .
ولا أحسب هذا هو سبب نزول الآية.
لأنّ أبا جهل إن كان قد قال ذلك فقد أراد الاستهزاء، كما قال ابن العربي في"العارضة": ذلك أنّه التكذيب بما جاء به تكذيب له لا محالة، فقوله: لا نكذّبك، استهزاء بإطماع التصديق. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 6 صـ} . بتصرف يسير.