ظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِ الْحَشْرِ شِرْكَهُمْ بِاللهِ تَوَهُّمًا مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُمْ ، وَلَكِنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِهِ فِي بَعْضِهَا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ آيَاتٍ أُخْرَى ، وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ هَذَا الْمَعْنَى ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْإِنْكَارَ فِي الْقِيَامَةِ مُتَعَذِّرٌ ، وَبِأَنَّ اعْتِرَافَهُمْ بِالشِّرْكِ ثَابِتٌ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ: (هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ) (16: 86) وَقَوْلِهِ: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا) (4: 42) ورُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنِ الْآيَةِ وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (ولا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا) فَقَالَ: أَمَّا قَوْلُهُ: (وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) فَخَتَمَ اللهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ (وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا) وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ فِي اعْتِقَادِنَا لِأَنَّنَا مَا كُنَّا نَدْعُو غَيْرَكَ اسْتِقْلَالًا بَلْ تَوَسُّلًا إِلَيْكَ ، لِيَكُونَ مَنْ نَدْعُوهُمْ شُفَعَاءَ لَنَا عِنْدَكَ يُقَرِّبُونَنَا إِلَيْكَ زُلْفَى ، لِأَنَّنَا كُنَّا نَسْتَصْغِرُ أَنْفُسَنَا أَنْ تَتَسَامَى إِلَى دُعَائِكَ كِفَاحًا بِلَا وَاسِطَةٍ وَمَا هَذَا إِلَّا تَعْظِيمٌ لَكَ . وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّهُ لَا يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَ هَذِهِ الْحِكَايَةِ عَنْهُمْ: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) وَأُجِيبُ عَنِ الْإِيرَادِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا بِزَعْمِهِمْ أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا