والوجه الثاني أقواهما وهو أن يكون الرد داخلا في التمني، ويكون ما بعده إخبارًا عنهم أنهم قالوا ذلك على ما بينا. وذلك لأن الله تعالى كذبهم في الآية الثانية فقال: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28] ، وهذا يدل على أنهم أخبروا بذلك عن أنفسهم ولم يتمنوه؛ لأن التمني لا يقع فيه الكذب، إنما يقع في الخبر دون التمني. وهذا اختيار أبي عمرو، وهو استدل بقوله: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28] على خروج التكذيب والكون من التمني. ومن قرأ {وَلَا نُكَذِّبَ} ، {وَنَكُونَ} نصبا، قال الزجاج:(نصب على الجواب بالواو في التمني، كما تقول: ليتك تصير إلينا ونكرمك، والمعنى: ليت مصيرك يقع وإكرامنا، ويكون المعنى: ليت ردّنا
وقع وأن لا نكذب).
قال ابن الأنباري: (في نصب {نُكَذِّبَ} وجهان، أحدهما: أن تكون الواو مبدلة من الفاء، والتقدير: يا ليتنا نُرد فلا نكذب ونكون، فتكون الواو هاهنا بمنزلة الفاء في قوله تعالى: {لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(58) } [الزمر: 58] ، يؤكد هذا الوجه ما روي أن ابن مسعود وابن أبي إسحاق كانا يقرآن (فلا نكذب) بالفاء منصوبًا. قال: والوجه الآخر في نصب {نُكَذِّبَ} {وَنَكُونَ} الصرف ومعناه الحال، أي يا ليتنا نرد غير مكذبين، كما تقول العرب: لا نأكل السمك ونشرب اللبن، أي: لا يأكل السمك شاربًا للبن).