فالفتنة هاهنا بمعنى: الشرك والافتتان بالأوثان، ويؤيد هذا الوجه ما روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية في قوله: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} قال: (يريد شركهم في الدنيا) وهذا القول في التأويل راجع إلى حذف المضاف؛ لأن المعنى: لم تكن عاقبة فتنتهم إلا البراءة، ومثله قولك: ما كانت محبتك لفلان إلا أن انتفيت منه، أي: عاقبة محبتك.
واختلفوا في قوله تعالى: {وَاللَّهِ رَبِّنَا} فقرئ {رَبِّنَا} بالنصب والخفض، فمن خفض جعل الاسم المضاف وصفًا للمفرد، كقولك: رأيت زيدًا صاحبنا، وبكرًا جاركم؛ ومن نصب جعله منادى مضافًا، وفصل به بين القسم والمقسم عليه، والفصل بالنداء كثير في كلامهم، وذلك لكثرة النداء في الكلام، ومثله قوله تعالى: {إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ} [يونس: 88] . والمعنى: آتيتهم أموالاً ليضلوا فلا يؤمنوا، ففصل بالمنادي بين فعله ومفعوله.
قوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الأنعام: 24] قال قتادة: (باعتذارهم بالباطل) .
وقال عطاء: (بجحد شركهم في الآخرة) .
وقوله تعالى: {وَضَلَّ عَنْهُمْ} عطف على قوله: {انْظُرْ} تقديره: وكيف، {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} بعبادته من الأجسام والأوثان فلم تغن عنهم شيئًا, وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها لهم.
25 -قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} قال المفسرون: (إن نفرًا من مشركي مكة - منهم النضر بن الحارث وغيره - جلسوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ القرآن، فقالوا للنضر: ما يقول محمد؟ فقال: أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، فأنزل الله هذه الآية) .