إن اتساع التصور وعمقه وتنوعه ينشئ سعة في النفس وكبراً في الاهتمامات ورفعة في المشاعر! ينشأ عنها هي بذاتها خلق وسلوك ، غير خلق الذين يعيشون في الجحور وسلوكهم! فإذا أضيف إلى سعة التصور وعمقه وتنوعه ، طبيعة هذا التصور ، والاعتقاد في عدل الجزاء في الدار الآخرة ، وفي ضخامة العوض عما يفوت ونفاسته ؛ استعدت النفس للبذل في سبيل الحق والخير والصلاح الذي تعلم أنه من أمر الله ، وأنه مناط العوض والجزاء ؛ وصلح خلق الفرد واستقام سلوكه - متى استيقن من الآخرة كما هي في التصور الإسلامي - وصلحت الأوضاع والأنظمة ، التي لا يتركها الأفراد تسوء وتنحرف ، وهم يعلمون أن سكوتهم على فسادها لا يحرمهم صلاح الحياة الدنيا وحدها وخيراتها ؛ ولكنه يحرمهم كذلك العوض في الآخرة ، فيخسرون الدنيا والآخرة!
والذين يفترون على عقيدة الحياة الآخرة فيقولون: إنها تدعو الناس إلى السلبية في الحياة الدنيا ؛ وإلى إهمال هذه الحياة ؛ وتركها بلا جهد لتحسينها وإصلاحها ؛ وإلى تركها للطغاة والمفسدين تطلعاً إلى نعيم الآخرة.. الذين يفترون هذا الافتراء على عقيدة الآخرة يضيفون إلى الافتراء الجهالة! فهم يخلطون بين عقيدة الآخرة - كما هي في التصورات الكنسية المنحرفة - وعقيدة الآخرة كما هي في دين الله القويم.
.فالدنيا - في التصور الإسلامي - هي مزرعة الآخرة. والجهاد في الحياة الدنيا لإصلاح هذه الحياة ، ورفع الشر والفساد عنها ، ورد الاعتداء عن سلطان الله فيها ، ودفع الطواغيت وتحقيق العدل والخير للناس جميعاً.. كل أولئك هو زاد الآخرة ؛ وهو الذي يفتح للمجاهدين أبواب الجنة ، ويعوضهم عما فقدوا في صراع الباطل ، وما أصابهم من الأذى..
فكيف يتفق لعقيدة هذه تصوراتها أن يدع أهلها الحياة الدنيا تركد وتأسن ، أو تفسد وتختل ، أو يشيع فيها الظلم والطغيان ، أو تتخلف في الصلاح والعمران.. وهم يرجون الآخرة ، وينتظرون فيها الجزاء من الله؟