ولمّا وردت هذه السورة من حضرة الجمع ومتضمّنة سرّه، وذكر الاسم"الربّ"فيها ذكرا مضافا إلى كلّ ما سوى اللّه تنبيها على عموم حكمه الذي كشفت لك بعض أسراره فإنّ إضافات هذا الاسم كثيرة وهذا أعمّها، وأخصّ إضافاته المتضمّن لهذا العموم إضافته إلى الإنسان الجامع الكامل سيّدنا محمد صلّى اللّه عليه وآله، كقوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وكقوله أيضا وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ وكقوله: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى فإنّه لمّا كان صلّى اللّه عليه وآله عبد اللّه كما سمّاه اللّه لكماله وجمعيّته وكذا كلّ كامل كانت إضافته إلى الاسم"الربّ"بعد ذلك محمولة على أعمّ أحكام الربوبيّة وأكملها وأجمعها، وما سوى هاتين الإضافتين فمراتب تفصيليّة جزئيّة تتعيّن فيما بينهما.
لسان الباطن
وإذا عرفت هذه، فنقول فِي شرح العالم بلسان الباطن ثم بما بعده: اعلم أنّ الحقّ سبحانه
قد جعل كلّ فرد من أفراد العالم علامة ودليلا على أمر خاصّ مثله، فمن حيث وجوده المتعيّن هو علامة على نسبة من نسب الألوهيّة المسمّاة اسما الذي هذا الشيء الدالّ مظهر له، ومن حيث عينه الثابتة فهو دليل على عين ثابتة مثله، ومن حيث كونه عينا ثابتة متّصفة بوجود متعيّن هو علامة على مثله من الأعيان المتّصفة بالوجود.
فالأجزاء من حيث هي أجزاء علامة على أجزاء مثلها، ومن حيث مجموعها وما يتضمّنه كلّ جزء من المعنى الكلّي هي علامة على الأمر الكلّي الجامع لها والوجود المطلق الذي يتعيّن منه وجودها.
وجعل أيضا مجموع العالم الكبير من حيث ظاهره علامة ودليلا على روحه ومعناه، وجعل جملة صور العالم وأرواحه علامة على الألوهيّة الجامعة للأسماء والنسب، وعلى مجموع العالم.
وجعل الإنسان الكامل بمجموعه من حيث صورته وروحه ومعناه ومرتبته علامة تامّة ودليلا دالّا عليه سبحانه وتعالى دلالة كاملة.