فالدنيا في الحقيقة لا تذم وإنما يتوجه الذم إلى فعل العبد فيها وهي قنطرة أو معبر إلى الجنة أو إلى النار ولكن لما غلبت عليها الشهوات والحظوظ والغفلة والإعراض عن الله والدار الآخرة فصار هذا هو الغالب على أهلها وما فيها وهو الغالب على اسمها صار لها اسم الذم عند الإطلاق وإلا فهي مبني الآخرة ومزرعتها ومنها زاد الجنة وفيها اكتسبت النفوس الإيمان ومعرفة الله ومحبته وذكره ابتغاء مرضاته وخير عيش ناله أهل الجنة في الجنة إنما كان بما زرعوه فيها وكفى بها مدحا وفضلا لأولياء الله فيها من قرة العيون وسرور القلوب وبهجة النفوس ولذة الأرواح والنعيم الذي لا يشبهه نعيم بذكره ومعرفته ومحبته وعبادته والتوكل عليه والإنابة إليه والإنس به والفرح بقربه والتذلل له ولذة مناجاته والإقبال عليه والاشتغال به عمن سواه وفيها كلامه ووحيه وهداه وروحه الذي ألقاه من أمره فأخبر به من شاء من عباده ولهذا فضل ابن عقيل وغيره هذا على نعيم الجنة وقالوا هذا حق الله عليهم وذاك حظهم ونعيمهم وحقه أفضل من حقهم قالوا والإيمان والطاعة أفضل من جزائه والتحقيق أنه لا يصح التفضيل بين أمرين في دارين مختلفين ولو أمكن اجتماعهما في دار واحدة لأمكن طلب التفضيل والإيمان والطاعة في هذه الدار أفضل ما فيها ودخول الجنة والنظر إلى وجه الله جل جلاله وسماع كلامه والفوز برضاه أفضل ما في الآخرة فهذا أفضل ما في هذه الدار وهذا أفضل ما في الدار الأخرى ولا يصح أن يقال فأي الأمرين أفضل فهذا أفضل الأسباب وهذا أفضل الغايات وبالله التوفيق.
(فصل)