الظاهر نمو أجزاء بدنه ونبات شعره ، وخلق حيوانه ، وجعلت الشمس وسط العالم ،
وهي تطلع بالنهار ، وتغرب بالليل ، وجعلت الروح وسط جسم الإنسان ، وهي
تغرب بالنوم ، وتطلع باليقظة ، ونفس الإنسان تشابه القمر من حيث إن القمر
يستمد من الشمس ، ونفسه تستمد من الروح ، والقمر خالف الشمس ، والروح
خالف النفس ، والقمر آية ممحوة ، والنفس مثلها ، ومحو القمر فِي أن لا يكون
ضياؤه منه ، ومحو النفس فِي أن ليس عقلها منها ، ويعتري الشمس والقمر وسائر
الكواكب كسوف ، ويعتري النفس والروح وسائر الحواس غيب وذهول.
وفي العالم نبات ومياه ورياح وجبال وحيوان ما وفي الإنسان نبات ، وهو
الشعر ، ومياه ، وهو العرق والدموع والريق والدم ، وفيه جبال وهي العظام ،
وحيوان ، وهي هوام الجسم فحصلت المشابهة على كل حال.
ولما كانت أجزاء العالم كثيرة ، ومنها ما هي لنا غير معروفة ، ولا معلومة كان في
استقصاء مقابلة جميعها تطويل ، وفيما ذكرناه يحصل به لذوي العقول تشبيه وتمثيل.
ثم قال: ولا يناقض ما ذكرناه هنا من التفرقة بين الروح والنفس قولنا فِي""
الإحياء": إنهما شيء واحد ، لأن لها معنى يسمى بالروح تارة ، وبالنفس"
أخرى ، وبغير ذلك . انتهى.
وقال بعضهم: سمي الإنسان بالعالم الصغير ، لأن الله تعالى أوجد المخلوقات
خمسة ضروب: الجماد ، والنبات ، والحيوان ، والشيطان ، والملك ، وكلها
مجموعة فِي الإنسان ، فهو جماد حيث يكون نطفة لا حركة فيه ولاحس ، وهو نبات
حيث ينمي ويغتذي ، وهو حيوان حيث يلذ ويتألم ، وهو شيطان حيث يغوي ويضل ،
وهو ملك حيث يعرف الله تعالى ويعبده.
ومنها أنه يصور كل شيء بيده ، ويحكي كل صوت بفيه ، وينهش اللحم كما
تنهشه السباع ، ويأكل البقول كما تأكله البهائم ، ويقضم الحبّ كما يقضمه الطير
، ولهذا قالوا: لا متفرق لو جمع كان منه إنسان إلا العالم ، ولا مجتمع لو فرق