فانظر رحمك الله إلى سبق الحسنى فهم منه في الآية وإلى هدايته ومحبته بسابق تقديره ونافذ إرادته ومشيئته وتفضله بتوفيقه وعنايته ورضاه لمن أراد فإن قلت: قد قال الله تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} فاعلم: أن هذه الآية هي التي يحتج بها على أن حسن الخاتمة هي السابقة وهو ظاهر لأن المراد بالمحو والإثبات أشياء سوى السعادة والشقاوة كما روي عن سعيد بن جبير أنه قال. يمحو الله ما يشاء من ذنوب العباد فيغفرها. ويثبت ما يشاء ولا يغفرها. وقال عكرمة: يمحو الله ما يشاء من الذنوب بالتوبة ويثبت بدل الذنوب حسنات. وقال الحسن: يمحو الله ما يشاء مر الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله ويثبت الرزق والأجل والسعادة.
وفي البغوي أن عمر كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها وإن كنت كتبت على الشقاوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب.
وقيل: إن معنى الآية أن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم فيمحو الله من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب مثل قوله: أكلت دخلت خرجت ونحوها من كلام هو صادق فيه، ويثبت ما فيه ثواب وعقاب هذا قول الضحاك والكلبي يكتب القول كله حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب.
وقال عطية عن ابن عباس: هو الرجل يعمل بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو، والرجل يعمل بطاعة الله فيموت وهو في طاعته فهو الذي يثبت، وقد قال تعالى: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} وقال تعالى: {لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ} الآية.
وأما الأخبار فقد روى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: أدرك النبي صلى الله عليه وسلّم جنازة صبي من صبيان الأنصار، فقالت عائشة: طوبى له عصفور من عصافير الجنة فقال لها: رسول الله صلى الله عليه وسلّم وما يدريك إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً وهم من أصلاب آبائهم. وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم (أخرجه مسلم) .
وقال صلى الله عليه وسلّم كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء.