وقد يكون استعمال لفظ (بدين) دفعاً لتوهم المجاز ؛ ذلك لأن التداين قد يفهم منه معنى الوعد , كما قال رؤبة:
داينت أروى والديون تقضى ... فمطلت بعضاً وأدت بعضاً.
فذكر قوله: (بدين) دفعاً لتوهم المجاز) (59)
أي: دفعاً لفهم الوعد ؛ أي: واعدت أروى , والوعود تقضى .
فلما كان المجاز غير مراد فِي الآية , ذكر لفظ (بدين) .
ويلمح الزركشي فِي ذكر (بدين) مَلْمَحاً آخر يقول فيه: (أما قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين"فإنما ذكر قوله:(بدين) مع (تداينتم) لوجوه:
أحدها: ليعود الضمير فِي (فاكتبوه) عليه ؛ إذ لو لم يذكره لقال: فاكتبوا الدين .
والثاني: أن تداينتم , مفاعلة من الدَّين بتشديد وفتح الدال , ومن الدِّين بتشديد وكسر الدال , فاحتيج إلى قوله: (بدَين) ؛ ليبين أنه من (الدَّين) لا من (الدِّين) .
وهذا أيضا فيه نظر ؛ لأن السياق يرشد إلى التداين .
الثالث: أن قوله (بدين) إشارة إلى امتناع بيع الدين , بالدين كما فسره قوله _ صلى الله عليه وسلم _ (هو بيع الكالئ بالكالئ) , وبيانه: أن قوله تعالى: (تداينتم) مفاعلة من الطرفين يقتضي وجود الدين من الجهتين , فلما قال (بدين) عُلم أنه دين واحد من الجهتين .
الرابع: أنه أتى به ليفيد أن الإشهاد مطلوب سواء كان الدين صغيراً أو كبيراً , كما سبق نظيره فِي قوله تعالى: (فإن كانتا اثنتين) , ويدل على هذا ههنا قوله بعد ذلك: (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله) .
الخامس: أن (تداينتم) مشترك بين الاقتراض والمبايعة والمجازاة , وذكر الدين لتمييز المراد (60) .