ثم إن الدَّين وهو عبء ثقيل , بل هو هم بالليل وذل بالنهار لايبعد عن قول الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ َ) (البقرة:286
وهكذا تتشابك الخيوط وإن بعدت المسافات بين الآية وأول السورة , وختام السورة مما يزيد من وحدة الهدف , وهذا يقوي معني أن السورة القرآنية شبكة واحدة يجمعها نمط من الخيوط المتوازية تارة , والمتقابلة تارة أخرى , والمتجانسة تارة ثالثة .... إلخ
ثامناً: وجه البلاغة فِي طول الآية
لا يشك أحد فِي أن تحديد فواصل الآيات , ورؤوسها توقيف من الله تعالى (حيث تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن رب العزة جل وعلا) (12)
والسؤال الذي يطرح نفسه:
ما وجه جمع كل هذه المعاني والأغراض فِي آية واحدة , وقد كان من الممكن _ عقلاً _ أن تُجزّأ هذه الآية إلى عدة آيات ؟
لكن هذا لم يحدث ؛ حيث احتلت الآية صفحة كاملة من المصحف الشريف , وضم بعضها إلى بعض , حتى صارت آية واحدة .
والذي أراه أن هذا الطول لون من ألوان التحذير ؛ لأن طريق الديون طريق طويل , مليء بالعقبات , كما أن آثار الديون لا تزول سريعا , بل تبقى عالقة بالنفوس ,مثل الألم الذي لا يزول حتى بعد العلاج , وكأن طول الآية يوحي بأفضلية عدم التداين ؛ لأنه بابُ خطرٍ ؛ فالصبر أولى منه لمن يريد الاقتراض .
وهكذا تحاول الآية أن تصرف الناس عن دروب التداين إلى طريق آخر ؛ فطالت ؛ ليشق عليهم جمعها وقراءتها .
وأمر آخر:
وهو أن الآية جمعت شروطا وضوابط لضمان الحقوق , فموضوعها واحد , فلما اتحد موضوعها جُمعت فِي آية واحدة .