والأخرى: قوة ٌ تحمي هذه العقيدة وتلك العبادة , وتضمن بقاء الأخلاق وانتشارها , ومن أجل ذلك كان محور سورة البقرة يدور حول هذين الأمرين ؛ لأن الخلل فيهما هدمٌ لمعالم الأمة المسلمة وتفتيت لأركانها , ولا يقوى أحدهما إلا فِي قوة الآخر ؛ فالأمة التي تُعنى بالعقيدة ولا تعنى بالقوة التي تحمي هذه العقيدة لابد أن يأتيها عدو يزلزل هذه العقيدة .
ومن هنا تتبين علاقة هذه الآية بالسورة عامة , وبالمقصود الأعظم منها , وهذه العلاقة تتضح , وتنكشف فِي مواضع , وتخفى وتستكن فِي مواضع أخرى , لكن فِي النهاية تظل علاقة الآيات كعلاقة الأنساب فِي عالم الإنسان , وكأن السورة فِي الذكر الحكيم قبيلة فِي أمة يربطها أصل واحد , وإن اختلفت صور أفرادها وأشكالهم , وألوانهم , لكنهم جميعا إلى رجل واحد (10)
سابعا: علاقة الآية بأول سورة البقرة وآخرها
لاشك أن آية المداينة خيط من خيوط السورة , وعنصر من عناصرها , وهذا العنصر يستقي ماءه من جذر السورة , أو المقصود الأعظم , ويرتبط بالباقي برباط يدق فِي موضع , ويعظم فِي آخر .
والذي لابد من الالتفات إليه هو النظر إلى الآية على أنها ختام آيات التشريع فِي سورة البقرة , والتشريع ما هو إلا رافد كبير من روافد النهر الذي أشارت إليه المقدمة .
كيف هذا ؟
إن الجمع بين آية المداينة وأول سورة البقرة يلحظ فيه مايلي:
أولاً: حدثتنا السورة فِي بدايتها عن عدة معان:
* الكتاب * نفي الريب عنه * هداية المتقين * الإيمان بالغيب
وهذه المعاني شاخصة فِي آية المداينة ,فأول شيء فِي الآية بعد النداء هو قوله تعالى (فاكتبوه) .
ثم تتابعت هذه اللفظة بصور متعددة فقيل: (وليكتب - كاتب - كاتب - يكتب - فليكتب - تكتبوه - كاتب)
وهذه الكثرة فِي مادة الكتابة ليست إلا لحفظ وضمان الحقوق من الضياع أو النسيان أو الإنكار , وكل ذلك يتصل بالكتابة اتصالاً وثيقا .