وحين تأتي آية المداينة فِي هذا الجو المفعم بالخشية , والرعب , والحذر , والترقب ؛ فإن النفوس تضفي على المداينة , وأنواعها ألواناً من التحذيرات التي ما زالت عالقة بها من الربا الذي هو حرب لله تعالى ورسوله , ومن مشاهد القيامة التي تجعل الولدان شيبا , ولا شك أن آية المداينة حين صاحبت آيات الربا قد أصابها من وعيدها , وتهديد أصحابها , والمبالغة فِي إنذارهم الكثير .
ولم لا والديون بوابة الربا , ومفتاح من مفاتيحه ؟ !
ولم لا وأكثر الخصام بين الناس يكون بسبب تلك المعاملات ؟!
ولم لا وآية المداينة قد امتلأت بالأشواك التي تحتاج إلى حذر شديد عند التعامل بها ؟ !
فإذا توجه البحث إلى النظر فِي وجود آية المداينة فِي خواتيم سورة البقرة لتبين أنها جاءت بعد طريق طويل , سلكت فيه السورة كل سبيل لترسخ قواعد التوحيد , وتفصل شرائع الإسلام , وتربط كل ذلك بالبعث والنشور والرجوع إلى الله تعالى .
وهذا يعني أن النفوس فِي تعاملاتها المادية تحتاج إلى توطئة طويلة من الأوامر الدينية , كما تحتاج إلى ضوابط صارمة من الأوامر والنواهي , فِي هذا المضمار ؛ ولذلك لا توجد آية قرآنية حوت من المحاذير ما حوته آية المداينة .
إن الحديث عن الاقتصاد الإسلامي من الأهمية بمكان ؛ لأنه ركيزة من ركائز ثبوت الدين , ودوامه , وانتشاره ؛ ولذلك وضع فِي أول سورة قرآنية بعد الفاتحة .
والبدايات دائماً تكون كالأسس والدعائم لكل بنيان , فإذا نظرنا إلى الإسلام كبنيان نلحظ أنه يقوم على ركيزتين:
الأولى: عقيدة راسخة تثمر عبادة وأخلاقاً .