كم إلى كم تخادع النفس جهلا ... ثم تجري خلاف ما قد عرفته
تصف الحق، والطريق إليه ... فإذا ما علمت خالفت سمته
قد لعمري محضتك النصح يا عم ... رو بن عثمان جاهدا إن قبلته»
وقال عبد الملك بن إدريس الجزيري:
«والعلم ليس بنافع أربابه ... ما لم يفد عملا وحسن تبصّر
سيان عندي علم من لم يستفد ... عملا به، وصلاة من لم يطهر
فاعمل بعلمك توف نفسك وزنها ... لا ترض بالتّضييع وزن المخسر»
وقال ابن مسروق:
«إذا كنت لا ترتاب أنك ميت ... ولست لبعد الموت تسعى وتعمل
فعلمك ما يجدي، وأنت مفرط ... وذكرك في الموتى معد محصل»
ونظموا في معرض التوبيخ على مخالفة القول للعمل ما فيه مزدجر لمن وفق، وألهم رشده، فقال عبد الله بن عروة في معنى ما روي عنه: «إنما نبكي بالدين للدنيا» . حكاه الشيخ أبو عمر:
«يبكون بالدين للدنيا وبهجتها ... أرباب دين عليها كلهم صادي
لا يعملون لشيء من معادهم ... تعجلوا حظهم في العاجل البادي
لا يهتدون ولا يهدون تابعهم ... ضلّ المقود وضل القائد الهادي»
وقال آخر:
«وبخت غيرك بالعمى فأفدته ... بصرا وأنت محسن لعماكا
كفتيلة المصباح تحرق نفسها ... وتنير موقدها وأنت كذاكا»
وقال أبو العتاهية:
«إذا عبت أمرا فلا تأته ... وذو اللب مجتنب ما يعيب»
وقال:
«يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم
وأراك تلقح بالرشاد عقولنا ... نصحا، وأنت من الرشاد عديم»
وقال «أبو الأسود الدؤلي» : وقال «أبو عمر» : «وتروى للعرزمي:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
وابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك تعذر إن وعظت ويقتدى ... بالقول منك، ويقبل التعليم
وقال آخر:
لا تلم المرء على فعله ... وأنت منسوب إلى مثله
من ذم شيئا وأتى مثله ... فإنما يزدري على عقله
وقال منصور الفقيه:
إنّ قوما يأمرونا ... بالذّي لا يفعلونا
لمجانين وإن هم ... لم يكونوا يصرعونا
وأنشد الماوردي:
«عود لسانك قلة اللفظ ... واحفظ كلامك أيما حفظ
إياك أن تعظ الرجال وقد ... أصبحت محتاجا إلى الوعظ»
قلت: وفي هؤلاء قيل: أنشده «السمعاني» لبعضهم في «ذيله لتاريخ بغداد» :
لقد كثر الوعظ والواعظون ... وقل البصير بأخبارهم
فلو قام محتسب بينهم ... لعذّر تسعة أعشارهم
مزيد بيان: