إذن فالحق سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان أراد أن يصون الإنسان حتى يحقن الدماء ، فإذا ظل الناس ثلاثة أشهر بلا حرب ، ثم شهراً آخر ، فنعموا فِي هذه الفترة بالسلام والراحة والهدوء ، فربما يألفون السلام ، ولا يفكرون فِي الحرب مرة أخرى ، لكن لو استمرت الحرب بلا توقف لظل سعار الحرب فِي نفوسهم ، وهذه هي ميزة الأشهر الحرم. والأشهر الحرم حرم فِي الزمان والمكان ؛ لأن الزمان والمكان هما ظرف الأحداث ، فكل حدث يحتاج زمانا ومكانا. وعندما يحرم الزمان ويحرم المكان فكل من طرفي القتال يأخذ فرصة للهدوء.
إن الحق سبحانه وتعالى يعرض هنا قضية أراد بها خصوم الإسلام من كفار قريش واليهود أن يثيروها ؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل بعض السرايا للاستطلاع ، والسرية هي عدد محدود من المقاتلين ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأرسل سرية على رأسها عبد الله بن جحش الأسدي ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأرسل معه ثمانية أفراد ، وجعله أميرا عليهم ، وأعطاه كتابا وأمره ألا يفتحه إلا بعد مسيرة يومين ، وذلك حتى لا يعلم أحد أين تذهب السرية ، وفي ذلك احتياط فِي إخفاء الخبر.
فما سارت السرية ليلتين فتح عبد الله الكتاب وقرأه فإذا به: اذهب إلى"بطن نخلة"وهو مكان بين مكة والطائف واستطلع عير قريش ، ولا تكره أحدا ممن معك على أن يسير مرغما ، بمعنى أن يكون لكل فرد فِي السرية حرية الحركة ، فمن يفضل عدم السير فله هذا الحق. وبينما هم فِي الطريق ضل بعير لسعد بن أبي وقاص وعقبة بن غزوان ، وذهبا يبحثان عن البعير ، وبقى ستة مقاتلين مع عبد الله ، وذهب الستة إلى"بطن نخلة"فوجدوا"عمرو بن الحضرمي"ومعه ثلاثة على عير لقريش ، فدخلوا معهم فِي معركة ، وكان هذا اليوم فِي ظنهم هو آخر جمادى الآخرة ، لكن تبين لهم فيما بعد أنه أول رجب أي أنه أحد أيام شهر حرام.