{وَلاَ يَزَالُونَ} - يعني أهل مكة: {يُقَاتِلُونَكُمْ} - أيها المؤمنون: {حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ} أي: يرجعوكم عن دينكم الإسلام إلى الكفر: {إِنِ اسْتَطَاعُواْ} أي: قدروا على ردَّتكم. وفيه استبعاد لاستطاعتهم. فهو كقول الرجل لعدوه: إن ظفرت بي فلا تبق عليّ. وهو واثق أنه لا يظفر به. وجملة: {وَلاَ يَزَالُونَ} إما معطوفة على: {يَسْأَلُونَكَ} أو معترضة. والمقصود: تحذير المؤمنين منهم وعدم المبالاة بموافقتهم فِي بعض الأمور، لاستحكام عداوتهم وإصرارهم على الفتنة فِي الدين.
وفي الآية إشعار بأنكم أحق بأن لا تزالوا تقاتلونهم، لأنهم قاطعون بأنكم على الحق وأنكم منصورون، وأنهم على الباطل وهم مخذولون، ولا بد وإن طال المدى؛ لاعتمادكم على الله واعتمادهم على قوتهم. ومن وُكِل إلى نفسه ضاع. فالأمر الذي بينكم وبينهم أشد من الكلام. فينبغي الاستعداد له بعدَّته، والتأهب له بأهبته، فضلاً عن أن يلتفت إلى التأثر بكلامهم الذي توحيه إليهم الشياطين طعناً فِي الدين، وصداً عن السبيل. أشار لذلك البقاعي. ثم حذر تعالى عن الارتداد بقوله: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} وهو الإسلام. وبناء صيغة الافتعال من الردة المؤذنة بالتكلف، إشارة إلى أن من باشر دين الحق يبعد أن يرجع عنه، فهو متكلف فِي ذلك: {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} أي: بطلت جميع مساعيهم النافعة لهم، ورُدّت: {فِي الدُّنْيَا} - إذ يرفع الأمان عن أموالهم وأهلهم: {وَالآخِرَةِ} - إذ يسقط ثوابهم، فلا يجزون ثمة بحسناتهم: {وَ} لا يقتصر عليه بل: {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} أي: أهل النار: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} مقيمون لا يموتون ولا يخرجون كسائر الكفار. انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 3 صـ 143 - 149}