قال ابن القيم فِي"زاد المعاد"فِي تأويل هذه الآية: يقول الله سبحانه: هذا الذي أنكرتموه عليهم - وإن كان كبيراً - فما ارتكبتموه أنتم من الكفر بالله ، والصد عن سبيله وعن بيته ، وإخراج المسلمين - الذين هم أهله - منه ، والشرك الذي أنتم عليه ، والفتنة التي حصلت منكم به ؛ أكبر عند الله من قتالهم فِي الشهر الحرام . ومما نسب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه فِي هذا المعنى هذه الأبيات ، ويقال هي لعبد الله بن جحش:
تعدّون قتلاً فِي الحرام عظيمةً وأعظمُ منه لوى الرشدَ راشدُ
صدودُكم عما يقول محمَدٌ وكفرٌ به ، والله راءٍ وشاهدُ
وإخراجُكم من مسجد الله أهلَه لئلا يُرى لله فِي البيت ساجدُ
فإِنا وإِن عيَّرتمونا بقتله وأرجف بالإسلام باغٍ وحاسدُ
سَقَينا من ابن الحضرميّ رماحنا بنخلَة لمّا أوقد الحربَ واقدُ
دماً ، وابن عبد الله عثمان بيننا ينازعه غُلٌّ من القِدِّ عانِدُ
قال ابن القيم فِي"زاد المعاد": وأكثر السلف فسروا الفتنة هنا بالشرك ، كقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [الأنفال: 39] . ويدل عليه قوله: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] أي: لم يكن مآل شركهم وعاقبته وآخر أمرهم إلا أن تبرأوا منه وأنكروه . وحقيقتها: أنه الشرك الذي يدعو صاحبه إليه ، ويقاتل عليه ، ويعاقب من لم يفتتن به . ولهذا يقال لهم وقت عذابهم بالنار وفتنتهم بها: {ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ} [الذاريات: 14] .