وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ نُزُولِ الْآيَةِ فِي أَمْرِ صُهَيْبٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ، إِذْ كَانَ غَيْرَ مَدْفُوعٍ جَوَازُ نُزُولِ آيَةٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَالْمَعْنِيُّ بِهَا كُلُّ مَنْ شَمَلَهُ ظَاهِرُهَا. فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ وَصَفَ شَارِبًا نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ، فَكُلُّ مَنْ بَاعَ نَفْسَهُ فِي طَاعَتِهِ حَتَّى قُتِلَ فِيهَا أَوِ اسْتَقْتَلَ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ، فَمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} فِي جِهَادِ عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ فِي أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْي عَنْ مُنْكَرٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}
قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الرَّأْفَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأَنَّهَا رِقَّةُ الرَّحْمَةِ؛ فَمَعْنَى ذَلِكَ: وَاللَّهُ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ بِعَبْدِهِ الَّذِي يَشْرِي نَفْسَهُ لَهُ فِي جِهَادِ مَنْ حَادَّهُ فِي أَمْرِهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَالْفُسُوقِ، وَبِغَيْرِهِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي عَاجِلِهِمْ وَآجِلِ مَعَادِهِمْ، فَيُنْجِزُ لَهُمُ الثَّوَابَ عَلَى مَا أَبْلَوْا فِي طَاعَتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَيُسْكِنُهُمْ جَنَّاتَهُ عَلَى مَا عَمِلُوا فِيهَا مِنْ مَرْضَاتِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى السَّلَمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: الْإِسْلَامُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: ادْخُلُوا فِي الطَّاعَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ: (ادْخُلُوا فِي السَّلْمِ) بِفَتْحِ السِّينِ.
وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ بِكَسْرِ السِّينِ. فَأَمَّا الَّذِينَ فَتَحُوا السِّينَ مِنَ «السَّلْمِ» ، فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَهَا إِلَى الْمُسَالَمَةِ، بِمَعْنَى: ادْخُلُوا فِي الصُّلْحِ وَالْمُسَاوَمَةِ وَتَرْكِ الْحَرْبِ وَإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ.