وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قَرَّرَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ تَقْرِيبُ هَذَا الْمَذْهَبِ مِنَ الْأَفْهَامِ ، وَلَا يَعْنِي أَنَّ هَذَا بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ الْإِتْيَانِ فِي الْغَمَامِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْغَمَامَ فِي الْآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى الْحِجَابِ أَوِ الرِّدَاءِ الَّذِي وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا (وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَرَوْا رَبَّهُمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ) وَبَيَانُهُ أَنَّهُ وَرَدَ فِي أَحَادِيثَ أُخْرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (سَأَلْتُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَلْ تَرَى رَبَّكَ ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ) .
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الصُّوفِيَّةِ: إِنَّ الْحُجُبَ; أَيِ: الْمَوَانِعَ الَّتِي تَمْنَعُ الْعَبْدَ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ كَثِيرَةٌ أَكْثَفَهَا نَفْسَهُ ، وَهَذِهِ الْحُجُبُ تُزَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا حِجَابًا وَاحِدًا ، فَيَعْرِفُونَ الْحَقَّ مَعْرِفَةً كَامِلَةً تَسْتَغْرِقُ الرُّوحَ . وَذَلِكَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالرُّؤْيَةِ وَبِمَجِيءِ اللهِ وَإِتْيَانِهِ .
فَالْغَمَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ التَّمْثِيلِيِّ إِشَارَةٌ إِلَى الْحِجَابِ الَّذِي لَا يَحْصُلُ كَمَالُ الْمَعْرِفَةِ الْمُمْكِنَةِ بِدُونِهِ ، وَبِذَلِكَ تَتَّفِقُ الْآيَاتُ مَعَ الْأَحَادِيثِ (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) (16: 60) وَ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (42: 11) .