تحللتم بدم وإن تأذى رأسكم بمرض حلقتم وكفَّرتم، وأيضاً فإذا أمنتم يناسب الخوف من العدو إذ يقال فِي المرض شفي وعوفي لا أمن. ولو قيل: إن خصوص آخر الآية لا يقدح فِي عموم أولها قلنا: لا يلزم من عدم القدح وجود المناسبة. وقيل: إنه منع المرض خاصة وهو باطل بالدلائل المذكورة وزيادة وهي أن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول الآية أن الكفار أحصروا النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية. والأئمة وإن اختلفوا فِي أن الآية هل تتناول غير سبب النزول أم لا، إلا أنهم اتفقوا على أن خروج ذلك السبب غير جائز. ثم فِي الآية إضماران، والتقدير: فتحللتم أو أردتم التحلل فعليكم ما استيسر، أو فاهدوا ما استيسر أي ما تيسر مثل استعظم وتعظم واستكبر وتكبر.
أما الإضمار الأول فلأن نفس الإحصار لا يوجب هدياً وإنما الموجب هو التحلل أو نية التحلل. وأما الإضمار الثاني فلأن قوله: {ما استيسر} إما مرفوع على الابتداء وخبره محذوف، أو منصوب على المفعولية وناصبه محذوف. والهدي جمع هدية كما يقال فِي جدية السرج وهي شيء محشو تحت دفتي السرج جدي. وقرئ من الهدي جمع هدية كمطية ومطيّ، وهذه لغة تميم. ومعنى الهدي ما يهدى إلى بيت الله تقرباً إليه بمنزلة الهدية. عن علي وابن عباس والحسن وقتادة رضي الله عنهم: أعلاها بدنة وأوسطها بقرة وأدونها شاة فعليه ما تيسر له من هذه الأجناس، والمحصر المحرم إذا أراد التحلل وذبح، وجب أن ينوي التحلل. ألبتة قبل الذبح، وأكثر الفقهاء على أن حكم العمرة فِي الإحصار حكم الحج، وعن ابن سيرين: أنه لا إحصار فيها لأنها غير موقتة. ورد بأن قوله تعالى: {فإن أحصرتم} مذكور عقيب الحج والعمرة فكان عائداً إليهما، وبأنه صلى الله عليه وسلم تحلل بالإحصار عام الحديبية وكان معتمراً.