ولعلماء البلاغة كلام جيد في مزايا ما يسمونه بأسلوب الحكيم، فقد قال السكاكي ما ملخصه: «ولهذا النوع - أعنى إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر - أساليب متفننة، ولكل من تلك الأساليب عرق في البلاغة يتشرب من أفانين سحرها، ولا كأسلوب الحكيم فيها. وهو تلقى المخاطب بغير ما يترقب، أو السائل بغير ما يتطلب، كما قال - تعالى -: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ الآية. قالوا في السؤال. ما بال الهلال يبدو دقيقا .. ألخ فأجيبوا بما ترى. وإن هذا الأسلوب الحكيم لربما صادف المقام فحرك من نشاط السامع ما سلبه حكم الوقور، وأبرزه في معرض المسحور، وهل ألان شكيمة «الحجاج الثقفي» لذلك الرجل الخارجي، وسل سخيمته، حتى آثر أن يحسن على أن يسيء غير أن سحره بهذا الأسلوب؟ إذ توعده الحجاج بالقيد في قوله «لأحملنك على الأدهم» فقال الخارجي متغابيا: مثل الأمير بحمل على الأدهم الأشهب. مبرزا وعيده في معرض الوعد، متوصلا أن يريه بألطف وجه: أن رجلا مثله جدير بأن يعد لا أن يوعد».
وقوله - تعالى -: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها هذا القول الكريم نهى لجماعة المسلمين عن عادة كانوا يفعلونها في الجاهلية، وهي أنهم كانوا إذا عادوا من حجهم أو أحرموا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، بل كانوا يدخلون من نقب ينقبونه في ظهور بيوتهم.
أخرج البخاري عن أبى إسحاق قال: سمعت البراء - رضي الله عنه - يقول: نزلت هذه الآية فينا. كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها.
فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه فكأنه عير بذلك فنزلت: وَلَيْسَ الْبِرُّ إلخ.
والمعنى: وليس من البر ما كنتم تفعلونه في الجاهلية من دخولكم البيوت من ظهورها عند إحرامكم أو عودتكم من حجكم، ولكن البر الحق الجامع لخصال الخير يكون في تقوى الله بأن تمتثلوا أوامره وتجتنبوا نواهيه، وإذا ثبت ذلك فعليكم أن تأتوا البيوت من أبوابها عند إحرامكم أو رجوعكم من حجكم.