وَفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الْفِتْنَةَ هُنَا وَفِي الْآيَةِ الْآتِيَةِ بِالشِّرْكِ وَجَرَى عَلَيْهِ (الْجَلَالُ) ، وَرَدَّهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ بِأَنَّهُ يُخْرِجُ الْآيَاتِ عَنْ سِيَاقِهَا ، وَذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ هُنَا بِصِيغَةِ التَّضْعِيفِ . (قِيلَ) : وَرَدَّ قَوْلَهُمْ أَيْضًا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِمَا قَبْلَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَبُرَ عَلَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونَ الْإِذْنُ بِالْقِتَالِ مَشْرُوطًا لِاعْتِدَاءِ الْمُشْرِكِينَ ، وَلِأَجْلِ أَمْنِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدِّينِ ، وَأَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ مَطْلُوبًا لِذَاتِهِ . وَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ وَقِصَّةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا مَعْنَى لِكَوْنَ بَعْضِهَا نَاسِخًا لِلْآخَرِ ، وَأَمَّا مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْعُمُومَاتِ فِيهَا بِحُكْمِ أَنَّ الْقُرْآنَ شَرْعٌ ثَابِتٌ عَامٌّ فَذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ .
ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنَ الْأَمْرِ بِقَتْلِ هَؤُلَاءِ الْمُحَارِبِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ أُدْرِكُوا فِيهِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَقَالَ: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ) أَيْ: إِنَّ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ يَكُونُ آمِنًا ، إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَ هُوَ فِيهِ وَيَنْتَهِكَ حُرْمَتَهُ فَلَا أَمَانَ حِينَئِذٍ . وَلَمَّا كَانَ الْقَتْلُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَمْرًا عَظِيمًا يُتَحَرَّجُ مِنْهُ أَكَّدَ الْإِذْنَ فِيهِ بِشَرْطِهِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِمَا فُهِمَ مِنَ الْغَايَةِ فَقَالَ: (فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) وَلَا تَسْتَسْلِمُوا لَهُمْ ، فَالْبَادِئُ هُوَ الظَّالِمُ ، وَالْمُدَافِعُ غَيْرُ آثِمٍ
(كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ)