لا يفطنون إلى أن العلة واضحة فِي قوله - سبحانه - من الآية نفسها"قد تبين الرشد فِي الغي". إذن فالمسألة واضحة لماذا نكره الناس وقد وضح أمامهم الحق والبطل ؟ نحن فقط نمنع الذين يفرضون عقائدهم الباطلة على الناس ؛ فأنت تستطيع أن تكره القالب ، لكن لا تستطيع أن تكره القلب. ونحن نريد أن ينبع الإيمان من القلب ، ولهذا يقول الحق لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4)
(سورة الشعراء)
إن الله لا يريد أعناقاً ، لو كان يريد أعناقاً لما استطاع أحد أن يخرج عن قدره - سبحانه - من يريد الله أن يبتليه بمرض أو موت فلن ينجو من قدره. إن الحق يريد إيمان قلوب لا رضوخ قوالب. فالذي يجبر الآخرين على الإيمان بالكرباج لن يتبعه أحد ، وهو نفسه غير مؤمن بما يفرضه على الناس. ولو كان مؤمنا به لما فرضه على الناس بالقسر ؛ إنهم سيقبلونه عن طواعية واختيار عندما يتبين لهم أنه الحق المناسب لصلاح حياتهم.
ونحن نلتفت حولنا فنجد أن النظم والحكومات التي تفرض مبادئها بالسوط والقهر تتساقط تباعاً ، فعندما تتخلى هذه الحكومات عن السوط والبطش فإن الشعوب تتخلى عن تلك الأفكار. والقرآن هنا يعالج هذه المسألة عندما يتحدث عن القتال وتشريع القتال ، الأمر الذي اختص به الحق أمة الإسلام. وهو سبحانه لم يأذن بالقتال خلال فترة الدعوة المكية التي استمرت ثلاثة عشر عاماً ، ثم أذن به بعد الهجرة إلى المدينة. وقد كان من الضروري أن يتأخر أمر القتال ؛ لأن الحق أراد أولاً أن يلتفت المسلمون إلى اتباع المنهج حتى يكونوا لغيرهم قدوة ، ويروا فيهم أسوة حسنة ، لذلك قال الحق:
فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ
(من الآية 109 سورة البقرة)
وقال سبحانه أيضاً: