علة القتال - إذن - أنهم أخرجوا من بيوتهم وأجبروا على ترك أولادهم ، فهم عندما سألوا القتال لم يسألوه للدفاع عن العقيدة ، وإنما لأنهم أخرجوا من ديارهم وأولادهم. أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهي التي أمنها الله على أن يكون فِي يدها الميزان ، وليس هذا الميزان ميزان تسلط ، وإنما هو ميزان يحمي كرامة الإنسان بأن يصون له حرية اختياره بالعقل الذي خلقه الله ، فلا إكراه فِي الإيمان بالله. وقد شرع الله القتال لأمة محمد لا ليفرض به دينا ، ولكن ليحمي اختيارك فِي أن تختار الدين الذي ترتضيه. وهو يمنع سدود الطغيان التي تحول دونك ودون أن تكون حراً مختاراً فِي أن تقبل التكليف.
ولذلك فالذين يحاولون أن يلصقوا بالإسلام تهمة أنه انتشر بالسيف نقول لهم: إن حججهم ساقطة واهية ، وكذلك قولهم: إن الإسلام عندما يفرض الجزية فكأنه جاء لجباية الأموال ، نقول لهؤلاء: جزية على من ؟ جزية على غير المؤمن ، وما دام قد فرضت عليه جزية فمعنى ذلك أنه أباح له أن يكون غير مؤمن ، لو كان الإسلام يكره الناس على اعتناقه لما كان هناك من نأخذ عليه جزية. إذن فالإسلام لم يكرهه ، وإنما حماه من القوة التي تسيطر عليه حتى لا يكرهه أحد على ترك دينه ، وهو حر بعد ذلك فِي أن يسلم أو لا يسلم. وكأن الذين ينتقدون الإسلام يدافعون عنه ؛ فسهامهم قد ارتدت إليهم.
وهنا تساؤل قد يثور: إذا كان الأمر كذلك فلماذا كانت حروب المسلمين ؟ نقول: إن حروب الإسلام كانت لمواجهة الذين يفرضون العقائد الباطلة على غيرهم ، وجاء الإسلام ليقول لهؤلاء: ارفعوا أيديكم عن الناس واجعلوهم أحراراً فِي أن يختاروا الدين المناسب. ولماذا تركهم الإسلام أحراراً ؟ لأنه واثق أن الإنسان ما دام على حريته فِي أن يختار فلا يمكن أن يجد إلا الحق واضحاً فِي الإسلام. ولذلك فكثير من الناس الذين يقرأون قوله تعالى:
لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ
(من الآية 256 سورة البقرة)