وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ
(من الآية 48 سورة الأحزاب)
لماذا كان هذا التدرج ؟ لأن الحق سبحانه وتعالى علم أن الدعوة للإسلام ستدخل البيوت العربية ، فسيضم البيت الواحد كافراً بالله ومؤمناً بالله ، ولو أنه سبحانه وتعالى شرع القتال من البداية لصار فِي كل بيت معركة. ثم إن الحق سبحانه وتعالى يعلم أن تلك القبائل العربية بها كثير من خفة وطيش وسفه ؛ وكانوا يقتتلون لأتفه الأسباب ؛ فمن أجل ناقة ضربها كليب بسهم فِي ضرعها فماتت اشتعلت الحرب أربعين سنة. وفي ذلك يقول الشاعر عند الحفيظة والغضب:
قوم إذا الشر أبدى - ناجذيه لهم ـ
طاروا إليه زرافات ووحدانا
والثاني يقول:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
في النائبات على ما قال برهأنا
أي أنهم لا يسألون أخاهم:"لماذا نحارب ؟"، وإنما يحاربون بلا سبب ولأي سبب ، فالحمية الرعناء تدفعهم للقتال بلا سبب. وفي مقابل ذلك كانت عندهم نخوة للحق ، فعندما يرون شخصا قد ظلمه غيره ؛ تأخذهم النخوة ، ويأخذون على يد الظالم ، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يهيج فيهم النخوة حين يرون الضعاف من المسلمين مستضعفين ، وقد عزلهم بعض من القوم فِي شعب أبي طالب وجوعوهم وقاطعوهم حتى اجتمع الخمسة العظام فِي مكة وقالوا:"كيف نقبل أن نأكل ونشرب ونأتي نساءنا وبنو هاشم وبنو المطلب محصورون فِي الشعب لا يأكلون ولا يشربون ولا يتبايعون". لقد كانوا كفاراً ، وبرغم ذلك وقفوا موقفاً عظيماً وقالوا: هاتوا الصحيفة التي تعاهدنا فيها على أن نقاطع بني هاشم وبني المطلب ونقطعها ؛ واتفقوا على ذلك. وكانوا خمسة من سادات مكة هم: هشام بن عمرو ، وزهير بن أبي أمية ، وأبو البحتري بن هاشم ، وزمعة ابن الأسود ، والمطعم بن عدي. وكانوا قادة النخوة التي أنهت مقاطعة المسلمين. هكذا نرى أن العرب كانوا يتسمون بالحمية الرعناء وتقابلها النخوة فِي الحق.