إِنَّ نَصَّ الْآيَةِ يَنُوطُ بَدْءَ الصِّيَامِ بِأَنْ يَتَبَيَّنَ لِلنَّاسِ بَيَاضُ النَّهَارِ نَاصِلًا مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ بِحَيْثُ يَرَاهُ كُلُّ مَنْ وَجَّهَ نَظَرَهُ إِلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ . وَقِيلَ: بِحَيْثُ يَرَوْنَهُ فِي طُرُقِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ وَمَسَاجِدِهِمْ ، فَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ الْأَذَانَيْنِ (فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ) وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ . ا هـ . وَإِنَّمَا كَانَ يَقُولُ لَهُ هَذَا مَنْ يَكُونُونَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ وَيَظْهَرُ النَّهَارُ لَهُمْ ، لَا أُنَاسٌ يَرْصُدُونَ الْفَجْرَ مِنْ مَنَارَةٍ أَوْ سَطْحٍ وَيَعْتَمِدُونَ عَلَى أَوَّلِ مَا يَرَوْنَهُ فِي أُفُقِ الْمَشْرِقِ مِنِ انْتِشَارِ الضَّوْءِ الْمُسْتَطِيلِ الَّذِي يُسَمَّى
الْفَجْرُ الْكَاذِبُ الَّذِي يَظْهَرُ كَذَنَبِ السَّرْحَانِ (الذِّئْبِ) ثُمَّ اسْتَطَارَتُهُ - مُعْتَرِضًا - الَّتِي حَدَّدُوا بِهَا الْفَجْرَ الصَّادِقَ ; فَإِنَّ هَذَا التَّحْدِيدَ لَا يُدْرِكُهُ إِلَّا الرَّاصِدُ الْمُرَاقِبُ لِلْأُفُقِ دُونَ الْجُمْهُورِ الَّذِي خَاطَبَهُ رَبُّهُ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ) إِلَخْ فَجَعَلَ لَهُمْ بَدْءَ صِيَامِهِمْ وَقْتًا وَاضِحًا لَا شُبْهَةَ فِيهِ ، وَهُوَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ الْمُتَنَبِّي بِقَوْلِهِ:
وَهَبْنِي قُلْتُ هَذَا الصُّبْحُ لَيْلٌ ... أَيَعْمَى الْعَالِمُونَ عَنِ الضِّيَاءِ ؟
وَقَوْلُهُ:
وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الْأَذْهَانِ شَيْءٌ ... إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلٍ