استثنى من التحريم حالة الضرورة ولها سببان: أحدهما الجوع الشديد وأن لا يجد مأكولاً حلالاً يسد به الرمق فعند ذلك يكون مضطراً إلى أكل المحرم . الثاني: إذا أكرهه على تناوله مكره فيحل له تناول ما أكره عليه . والاضطرار ليس من أفعال المكلف حتى يقال إنه لا إثم عليه فيه ، فلا بد من إضمار وهو الأكل . أي فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه ، وإنما حذف للعلم به ."وغير"ههنا بمعنى"لا"النافية كأنه قيل: فمن اضطر باغياً ولا عادياً . والبغي فِي اللغة الظلم والخروج عن الإنصاف . بغي الجرح ورم وترامي إلى فساد . وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء فهو بغي . والعدوان الظلم الصراح وتجاوز الحد . وللأئمة فِي الآية قولان: أحدهما وإليه ذهب أبو حنيفة تخصيص البغي والعدوان بالأكل ، وعلى هذا فالمعنى غير باغ بأن يجد حلالاً تكرهه النفس ، فعد إلى أكل الحرام للذته {ولا عاد} أي متجاوز قدر الرخصة ، أو غير باغ أي طالب للذة ولا عاد متجاوز سداً لجوعه ، عن الحسن وقتادة والربيع ومجاهد وابن زيد: أو غير باغ على مضطر آخر بالاستئثار عليه ، ولا عاد فِي سد الجوعة . والثاني وإليه ذهب الشافعي والإمامية: غير باغٍ على إمام المسلمين ، ولا عادٍ بالمعصية طريق المحقين . ويتفرع على الاختلاف أن العاصي بسفره هل يترخص أم لا؟ فعند أبي حنيفة يترخص لأنه مضطر وغير باغٍ ولا عادٍ فِي الأكل . وعند الشافعي لا يترخص لأنه موصوف بالعدوان ويؤيده الآية الأخرى {فمن اضطر فِي مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثم} [المائدة: 3] وأيضاً غير باغٍ ولا عادٍ حالان من الاضطرار ، فلا بد أن يكون وصف الاضطرار باقياً فِي الحالين وليس كذلك ، لأنه حال الأكل لا يبقى وصف الاضطرار . وأيضاً الإنسان نفور بطبعه عن تناول الميتة والدم فلا حاجة إلى نهيه عن التعدي فِي الأكل . وأيضاً إنه نفي ماهية البغي والعدوان ، وإنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها ويتحقق حينئذٍ نفي