وعلى أساس هذه الحقيقة الكبيرة كذلك تدعو الجماعة الإسلامية إلى الخشوع لذكر الله وللحق الذي أنزله الله ليجيء البذل ثمرة لهذا الخشوع المنبعث من الحقيقة الإيمانية الأولى: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق , ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل , فطال عليهم الأمد , فقست قلوبهم , وكثير منهم فاسقون) . .
وكذلك تضع قيم الدنيا وقيم الآخرة في ميزان الحق ; وتدعو الجماعة الإسلامية لاختيار الكفة الراجحة , والسباق إلى القيمة الباقية: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد , كمثل غيث أعجب الكفار نباته , ثم يهيج فتراه مصفرا , ثم يكون حطاما . وفي الآخرة عذاب شديد , ومغفرة من الله ورضوان . وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور:سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) . .
وظاهر من سياق السورة - إلى جانب عمومية الدعوة الدائمة إلى تلك الحقيقة - أنها كانت تعالج كذلك حالة واقعة في الجماعة الإسلامية عند نزول هذه السورة في المجتمع المدني في فترة تمتد من العام الرابع الهجري إلى ما بعد فتح مكة .
فإلى جانب السابقين من المهاجرين والأنصار , الذين ضربوا أروع مثال عرفته البشرية , في تحقيق حقيقة الإيمان في نفوسهم , وفي البذل والتضحية بأرواحهم وأموالهم , في خلوص نادر , وتجرد كامل , وانطلاقمن أوهاق الأرض وجوانب الغريزة ومعوقات الطريق إلى الله ...
إلى جانب هذه الفئة الممتازة الفذة , كانت هناك - في الجماعة الإسلامية - فئة أخرى ليست في هذا المستوى الإيماني الخالص الرفيع - وبخاصة بعد الفتح عندما ظهر الإسلام , ودخل فيه الناس أفواجا , وكان من بينهم من لم يدركوا بعد حقيقة الإيمان الكبيرة , ولم يعيشوا بها ولها كما عاشت تلك الفئة السابقة الخالصة المخلصة لله .