يَقُولُ: وَهُمْ فِي ظِلٍّ دَائِمٍ لَا تَنْسُخُهُ الشَّمْسُ فَتُذْهِبُهُ، وَكُلُّ مَا لَا انْقِطَاعَ لَهُ فَإِنَّهُ مَمْدُودٌ، كَمَا قَالَ لَبِيدٌ:
غَلَبَ الْبَقَاءَ وَكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبِ ... دَهْرٌ طَوِيلٌ دَائِمٌ مَمْدُودُ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ جَاءَتِ الْآثَارُ، وَقَالَ بِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِئَةَ عَامٍ، اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ» {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} فَبَلْغَ ذَلِكَ كَعْبًا، فَقَالَ: صَدَقَ وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى، وَالْفُرْقَانَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، لَوْ أَنَّ رَجُلًا رَكِبَ حِقَّةً أَوْ جَذَعَةً ثُمَّ دَارَ بِأَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَا بَلْغَهَا، حَتَّى يَسْقُطَ هَرَمًا، إِنَّ اللَّهَ غَرَسَهَا بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، وَإِنَّ أَفْنَانَهَا لِمَنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ وَمَا فِي الْجَنَّةِ نَهْرٌ إِلَّا وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ.
وَقَوْلُهُ: {وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَفِيهِ أَيْضًا مَاءٌ مَسْكُوبٌ، يَعْنِي مَصْبُوبٌ سَائِلٌ فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) }
يَقُولُ {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٌ وَلَا مَمْنُوعَةٌ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَفِيهَا {فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ} لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُمْ شَيْءٌ مِنْهَا أَرَادُوهُ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، كَمَا تَنْقَطِعُ فَوَاكِهُ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ فِي الدُّنْيَا، وَلَا يَمْنَعُهُمْ مِنْهَا، وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا شَوْكٌ عَلَى أَشْجَارِهَا، أَوْ بُعْدُهَا مِنْهُمْ، كَمَا تَمْتَنِعُ فَوَاكِهُ الدُّنْيَا مِنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ أَرَادَهَا بِبُعْدِهَا عَلَى الشَّجَرَةِ مِنْهُمْ، أَوْ بِمَا عَلَى شَجَرِهَا مِنَ الشَّوْكِ، وَلَكِنَّهَا إِذَا اشْتَهَاهَا أَحَدُهُمْ وَقَعَتْ فِي فِيهِ أَوْ دَنَتْ مِنْهُ حَتَّى يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ.
وَقَوْلُهُ: {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَهُمْ فِيهَا فُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ طَوِيلَةٌ، بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، كَمَا يُقَالُ: بِنَاءٌ مَرْفُوعٌ.