وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -"خيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ -وَالله أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا- قَالَ:"ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ يُحِبُّونَ السَّمَانَةَ، يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا.
قَولهُ:"وَلَا يُؤْتمَنُونَ"أَيْ: لَا يَثقُ النَّاسُ بِهِمْ وَلَا يَعْتَقِدُونَهُمْ أُمَنَاءَ بِأَنْ تَكُونَ خِيَانَتُهُمْ ظَاهِرَةً بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لِلنَّاسِ اِعْتِمادٌ عَلَيْهِمْ، قَوْلهُ:"وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ"يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ المُرَاد التَّحَمُّلَ بِدُونِ التَّحْمِيلِ، أَوْ الْأَدَاءَ بِدُونِ طَلَبٍ، ويُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ زيد بْن خَالِد مَرْفُوعًا:"أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا (4) ".
وحاصل الحديثين أَنَّ حديث اِبْن مَسْعُود (الشَّهَادَة فِي حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ) ، وَالمُرَادُ بِحَدِيثِ زَيْدِ بْن خَالِد الشَّهَادَةُ فِي حُقُوقِ الله.
وَقَولهُ:"وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ"أَيْ: يُحِبُّونَ التَّوَسُّعَ فِي المآكِل وَالمشَارِب وَهِيَ أَسْبَابُ السِّمَنِ بِالتَّشْدِيدِ. قَالَ اِبْن التِّينِ: المُرَادُ ذَمّ محَبَتِهِ وَتَعَاطِيه لَا مِنْ تَخَلَّقَ بِذَلِكَ وَقِيلَ: المُرَادُ يَظْهَرُ فِيهِمْ كَثْرَة المالِ. وَقِيلَ: المُرَاد أَنَّهُمْ يَتَسَمَّنُونَ أَيْ: يَتكَثَّرُونَ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ، وَيَدَّعُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ مِنْ الشَّرَفِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ مرَادًا، وَإِنَّمَا كَانَ مَذْمُومًا؛ لِأَنَّ السَّمِينَ
غَالِبًا بَلِيد الْفَهْم ثَقِيل عَنْ الْعِبَادَةِ كَمَا هُوَ مَشْهُور.