القراءتين مصدران.
48 - {وَ} مما في صحفهما {أَنَّهُ} تعالى {هُوَ} وحده {أَغْنَى} من شاء من عباده بالأموال {وَأَقْنَى} ؛ أي: أفقر من شاء منها. ومثله قوله تعالى: {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} ، وقوله: {يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} ؛ أي: وأنه تعالى يغني من يشاء من عباده، ويفقر من يشاء بحسب ما يرى من استعداد كل منهما ومقدرته على كسب المال بحسب السنن المعروفة في هذه الحياة.
وفي هذا: تنبيه إلى كمال القدرة. فإن النطفة جسم متناسب الأجزاء في الظاهر، ويخلق الله تعالى منها أعضاء مختلفة، وطباعًا متباينة من ذكر وأنثى. ومن ثم لم يدع أحد خلق ذلك كما لم يدع خلق السماوات والأرض كما قال: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} . ونحو الآية قوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40) } وقيل: أنه هو أغنى؛ أي: أعطى الغنى للناس بالأموال، وأقنى؛ أي: أعطى القنية. وهي ما يتأثل من الأموال؛ أي: يتخذ أصلًا، ويدخر بأن يقصد حفظه استثمارًا واستنماءً، وأن لا يخرج عن ملكه. وقال بعضهم: أغنى الناس بالكفاية والأموال، وأعطى القنية، وما يدخرونه بعد الكفاية. وقال الضحاك: أغنى بالذهب، والفضة، والمسكن، والثياب. وأقنى بالإبل، والبقر، والغنم، والدواب. قال أبو زيد: تقول العرب: من أعطي مائة من البقر .. فقد أعطي القنى، ومن أعطي مائة من الضأن .. فقد أعطي الغنى، ومن أعطي مائة من الإبل .. فقد أعطي المنى.
وأفرد القنية بالذكر بعد قوله: {أَغْنَى} ؛ لأنها أشرف الأموال، وأفضلها. والأوفق لما قدمه من الآي المشتملة على مراعاة صنعة الطباق أن يحمل {أقنى} على معنى أفقر، على أن تكون الهمزة في {أقنى} للإزالة، كما قاله سعديٌّ المفتي.