{وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} (9) [ق: 9] إلى {رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ} (11) [ق: 11] هذه حجة أخرى على إمكان البعث ووقوعه، أما وقوعه فمستنده السمع المعصوم المستند إلى دليل المعجز المعقول، وأما إمكانه فبالقياس على إحياء الأرض بعد موتها وقد سبق غير مرة، وتوجيهه أن أجزاء الجسم القارة في الأرض كحب الزرع في الأرض وإخراجه حيّا من الأرض كإخراج الحب نباتا منها، وكيفية ذلك ما سبق، والمقوم له قدرة الفاعل وقابلية القابل والحكمة اللطيفة الرابطة بين تأثير الفاعل في القابل، فالحب/ [190 ب/م] في الأرض أصل، وأجزاء الجسم فيها فرع، [والحكم إخراجها] نباتا وحبا، والعلة الإمكان وتمام القدرة ولطيف الحكمة، وربما كان ذلك بواسطة ما تمطره السماء كمني الرجال تنبت فيه الأجسام كما تنبت الحبة في حميل السيل، وبعد هذا البيان لا ينكر البعث إلا جاهل أو معاند للبرهان.
ثم من العجب قولهم: إن التراب استحال أن يعود بشرا سويا، مع تسليمهم أو أكثرهم
أن آدم خلق من تراب فكان بشرا سويا.
{أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} (15) [ق: 15] هذا دليل آخر على البعث والمعاد بالقياس على ابتداء الخلق كما مرّ في سورة «الروم» وتقريره: لو امتنعت الإعادة لوجب أن نعيا، أي: نعجز عن الابتداء، واللازم باطل فالملزوم كذلك؛ بيان الملازمة أن الإعادة أهون من الابتداء كما تقرر وعرف، ولو امتنعت الإعادة لعجزنا عنها، ولو عجزنا عنها لكنا عن الابتداء الذي هو أصعب منها أعجز، فلو امتنعت الإعادة لعجزنا عن الخلق الأول.
وأما بطلان اللازم؛ فلأن الخلق الأول قد وجد منا، ويلزم ذلك أنا لم نعجز عنه، وإلا لما وجد، وأما بطلان الملزوم فلاستحالة وجوده مع انتفاء اللازم، وثم معنى الآية: أننا ما عيينا عن الخلق الأول حتى نعيا عن الثاني.
{أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} (15) [ق: 15] يعني: