شبه الهيئة المأخوذة من أمور عديدة وهي المغتاب وهو من فعل الغيبة والمغتاب وهو الذي
اغتبته وما ذكره المغتاب من الأمور الكريهة وهتك عرضه بالهيئة المنتزعة من أشياء كثيرة
أكل لحم، وكونه لحم أخيه وكون أخيه ميتًا، والكراهة التامة فذكر ما هُوَ للمشبه به وأريد
المشبه، ويحتمل أن يراد التمثيل المفرد لبيان شبه المغتاب بآكل اللحم وما رماه من الأمر
الذي يكرهه يأكل لحم أخيه حال كونه ميتًا، وأول كلامه يشير إلَى كون التمثيل في الهيئة
وآخر كلامه يشعر بأنه تمثيل المفرد بالمفرد تنبيهًا عَلَى مساغ الوَجْهَيْن لكن الأول لكونه
أبلغ قدمه، وقد صرح بجواز الوَجْهَيْن في قَوْله تَعَالَى (مثلهم كمثل الذي)
إلَى قَوْله: (أَوْ كَصَيّبٍ منَ السَّمَاء) غاية الأمر أن الْكَلَام هناك في التمثيل
بدون اسْتعَارَة وهنا اسْتعَارَة.
قوله: (عَلَى أفحش وجه مع مبالغات) . نقل عن المثل السائر أنه قال:[كنى عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله ميتا، ثم جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة، فهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة للمعنى الذي وردت من أجله.
فأما جعل الغيبة كأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله فشديد المناسبة جدا؛ لأن الغيبة إنما هي ذكر مثالب الناس وتمزيق أعراضهم، وتمزيق العرض مماثل لأكل لحم الإنسان لحم من يغتابه؛ لأن أكل اللحم تمزيق على الحقيقة، وأما جعله كلحم الأخ فلما في الغيبة من الكراهة؛ لأن العقل والشرع مجتمعان على استكراهها, آمران بتركها والبعد عنها، ولما كانت كذلك جعلت بمنزلة لحم الأخ في كراهته، ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر، إلا أنه لا يكون مثل كراهته لحم أخيه، وهذا القول مبالغة في استكراه الغيبة، وأما جعل اللحم ميتا فمن أجل أن المغتاب لا يشعر بغيبته ولا يحس بها، وأما جعله ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة, فلما جبلت عليه النفوس من الميل إلى الغيبة والشهوة لها مع العلم بقبحها]وأفاد عَلَى أنها اسْتعَارَة تمثيلية فيها مبالغات. انتهى. وقد عرفت توضيحه.
قوله: (الاسْتفْهَام المقرر، وإسناد الْفعْل إلَى أحد للتعميم وتعليق المحبة بما هُوَ في
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: الاسْتفْهَام المقرر. معنى التقرير هنا الحمل عَلَى الإقرار أي مع مبالغات منها الاستفهام
الحامل للمخاطبين عَلَى الإقرار بأنهم لا يحبون ذلك وأن يقولوا لا نحبه ولتعين هذا الْجَوَاب لذلك
السؤال أجاب الله تَعَالَى قبل أن يجيبوا بقوله (فَكَرِهْتُمُوهُ) أي ما أحببتموه ومقتضى الظَّاهر أن يقال
فتكرهونه ولكن جيء بلفظ الْمَاضي لتحقق كراهتهم له. والفاء في (فَكَرِهْتُمُوهُ) هي التي يسميها علماء
الْمَعَاني فاء فصيحة كالفاء في قوله: فقد جئنا خراسانًا. والْمَعْنَى إن صح ذلك فقد جئنا خراسانًا
فكَذَلكَ الْمَعْنَى في الآية. أي إن صح ذلك أو عرض عليكم هذا فقد كرهتموه فإذا ثبت وتحقق
عندكم استقذار أكل جيفة [أخيكم] الميت وكراهتكم له من غير إنكار من أحدكم فليتحقق عندكم
أَيْضًا أن الغيبة والطعن في أعراض إخوانكم الْمُسْلمينَ مثل ذلك ومنها إسناد الْفعْل إلَى أحد فإنه
يفيد العموم فإنه وإن وقع ظاهرًا في سياق الْإثْبَات لكنَّه في الْمَعْنَى واقع في سياق النفي لأن الْمَعْنَى
لا يحب أحد منكم فإن فيه عمومًا بوَجْهَيْن. الأول ما في لفظ أحد وأن مشمولاته أعم من
مشمولات رجل. والثاني وقوعه نكرة في سياق النفي من حَيْثُ الْمَعْنَى، ومنها تعليق المحبة بما هو
في غاية الكراهة فإن (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) أبلغ في الإنكار من أيأكل أحدكم
لحم أخيه ميتًا لأن حب الأكل أبعد من الأكل فإنكار الأبعد أبلغ من إنكار البعيد، ومنها تمثيل
الاغتياب بأكل لحم الْإنْسَان أخًا، ولم يقتصر عَلَى أكل لحم الأخ حتى جعل ميتًا ولم يقتصر عَلَى