[الخمس] الجواس) فالنهي في الْحَقيقَة نهي عن الجس لأن الجس بعد مباشرة مبادئه ضروري والنهي
عن مثل هذا نهي عن مباشرة أسبابه كالأمر بالإيمان فإنه أمر بمادته، وهذا مراد المصنف بقوله
أثر الجس الخ. ولذلك قيل للحواس الخمسة الظَّاهرَة كالسمع والبصر جواس لكونه الحس
أثر الجس وإن لم يكن فيها جس بهذا الْمَعْنَى، وما وقع في كتب الْحكْمَة أن الحواس
جاسوس الحس المشترك فبناء عَلَى اصْطلَاح آخر.
قوله:(وفي الْحَديث «لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته
حتى يفضحه ولو في جوف بيته»)مراده بسوق الْحَديث لما فيه أي من سوق الْحَديث تفسير
معنى الآية وتأييد له، والْمُرَاد بعوراتهم ما يكره المرء من الاطلاع عليه وأصل معناه الخال
والفرجة وقد مَرَّ في سورة الأحزاب توضيحه، والْمُرَاد بتتبع الله عورته إظهارها مَجَازًا لكونه
لازمًا له ذكر مشاكلة. قوله حتى يفضحه الخ. قرينة عَلَى ما ذكرناه. قيل وهذا حديث حسن
رواه الترمذي والحاكم وكذا مذكور في الكَشَّاف مع زيادة.
قوله: (ولا يذكر بعضكم بعضًا بالسوء في غيبته) أَشَارَ إلَى تعريف الغيبة أشار به إلَى
مغايرته لما قبله لكن يكون عين قوله: (ولا تلمزوا أنفسكم) عَلَى بَعْضِ
الْمَعَاني، فالأَولى أن يحمله عَلَى معنى يغاير الغيبة.
قوله:( [وسئل عَلَيْه] الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عن الغيبة فقال: «أن تذكر أخاك بما يكرهه، فإن
كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته») قيل والْحَديث مذكور في مسلم. قوله أن تذكر
أخاك الخ. فيه نوع مسامحة فإن الْمُرَاد أن تذكر أخاك حال غيبته بما يكرهه مع اتصافه به كما
قال. فإن كان الخ. فاذكر في معرض الْجَوَاب أعم، والْمُرَاد ما ذكر فقد بهته بمعنى كذبت عليه
عمدًا، والعمد مأخوذ في مفهوم الافتراء والبهتان فهو أخص من الكذب وحرمة البهتان ثابتة
هنا بدلالة النص ومَنْطُوقًا في مَوْضع آخر والبهتان لا يشترط فيه الغيبة بل يكون في الحضور
فهو داخل في تحت عموم قوله: (ولا تلمزوا) .
قوله: (تمثيل لما يناله المغتاب من عرض المغتاب) أي إن الْكَلَام اسْتعَارَة تمثيلية
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
الصحة والسقم، وهو أخص من الحسّ بفتح الحاء. قال الرَّاغب: الحس تعرّف ما يدركه الحس.
والجَسُّ بالجيم تعرّف حال ما من ذلك. ومن لفظ [الجسّ] اشتق الجاسوس.
قوله: وسئل عَلَيْهِ السَّلَامُ عن الغيبة فقال: «أن تذكر أخاك بما يكرهه، فإن كان فيه فقد [اغتبته] ، وإن لم
يكن فيه فقد بهته». البهت: الكذب والافتراء يقال بهته بهتًا وبهتانًا كذا في النهاية. الْحَديث مع تغيير يسير
أخرجه مسلم والترمذي وأبو دَاوُود عن أبي هريرة. قال الرَّاغب:[الْغِيبَةُ: أن يذكر الإنسان غيره بما فيه من عيب
من غير أن أحوج]إلى ذكره، قال تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا). قال الشيخ محيي
الدين النووي: الغيبة كل ما [أفهمت] به غيرك نقصان مسلم عاقل وهو حرام. قوله ما [أفهمت] به غيرك متناول
اللَّفْظ الصريح والكناية والرمز والتعريض والْكِتَابَة والإشَارَة بالعين واليد والرأس واشْتقَاقها من [غابه]
واغتابه كغاله واغتاله فهي ذكر السوء في الغيبة.