قَالَ القاضي: وجدير بمواطن عمّرت بالوحي والتنزيل وَتَرَدَّدَ بِهَا جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَعَرَجَتْ مِنْهَا الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ، وَضَجَّتْ عَرَصَاتُهَا بِالتَّقْدِيسِ وَالتَّسْبِيحِ وَاشْتَمَلَتْ تُرْبَتُهَا عَلَى جَسَدِ سَيِّدِ الْبَشَرِ، وَانْتَشَرَ عَنْهَا مِنْ دِينِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مَا انْتَشَرَ، مَدَارِسُ وآيات، وَمَسَاجِدُ وَصَلَوَاتٌ، وَمَشَاهِدُ الْفَضَائِلِ وَالْخَيْرَاتِ، وَمَعَاهِدُ الْبَرَاهِينِ وَالْمُعْجِزَاتِ، وَمَنَاسِكُ الدِّينِ، وَمَشَاعِرُ الْمُسْلِمِينَ، وَمَوَاقِفُ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَمُتَبَوَّأُ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، حَيْثُ انْفَجَرَتِ النُّبُوَّةُ، وَأَيْنَ فَاضَ عُبَابُهَا، وَمُوَاطِنُ طُوِيَتْ فِيهَا الرِّسَالَةُ، وأول أرض مسّ جلد المصطفى تراثها، أَنْ تُعَظَّمَ عَرَصَاتُهَا، وَتُتَنَسَّمَ نَفَحَاتُهَا، وَتُقَبَّلَ رُبُوعُهَا وجدرانها ..
يَا دَارَ خَيْرِ الْمُرْسَلِينَ وَمَنْ بِهِ ... هُدِيَ الْأَنَامُ وَخُصَّ بِالْآيَاتِ
عِنْدِي لِأَجْلِكِ لَوْعَةٌ وَصَبَابَةٌ ... وَتَشَوُّقٌ مُتَوَقِّدُ الْجَمَرَاتِ
وَعَلَيَّ عَهْدٌ إِنْ مَلَأْتُ محاجري ... من تلكم الجدران وَالْعَرَصَاتِ
لَأُعَفِّرَنَّ مَصُونَ شَيْبِيَ بَيْنَهَا ... مِنْ كَثْرَةِ التَّقْبِيلِ وَالرَّشَفَاتِ
لَوْلَا الْعَوَادِي وَالْأَعَادِي زُرْتُهَا ... أَبَدًا وَلَوْ سَحْبًا عَلَى الْوَجَنَاتِ
لَكِنْ سَأُهْدِي مِنْ حفيل تحيتي ... لقطين تلك الدار والحجرات
أَزْكَى مِنَ الْمِسْكِ الْمُفَتَّقِ نَفْحَةً ... تَغْشَاهُ بِالْآصَالِ وَالْبَكَرَاتِ
وَتَخُصُّهُ بِزَوَاكِي الصَّلَوَاتِ ... وَنَوَامِيَ التَّسْلِيمِ وَالْبَرَكَاتِ
(فَصْلٌ: في الْأَدَبِ اللَّازِمِ عِنْدَ ذِكْرِ أَخْبَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)