ولم يتخلف أحد ممن خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبيّة عن البيعة إلا عثمان إذ كان غائباً بمكة للتفاوض في شأن العمرة ، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على يده اليسرى وقال:"هذه يد عثمان"ثم جاء عثمان فبايع ، وإلا الجد بن قيس السلمي اختفى وراء جَمَلِهِ حتّى بايع الناسُ ولم يكن منافقاً ولكنّه كان ضعيف العزم.
وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنتم خير أهل الأرض.
وفرع قوله: {فمن نكث فإنما ينكث على نفسه} على جملة {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} ، فإنه لما كَشف كنه هذه البيعة بأنها مبايعة لله ضرورة أنها مبايعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم باعتبار رسالته عن الله صار أمر هذه البيعة عظيماً خطيراً في الوفاء بما وقع عليه التبايع وفي نكث ذلك.
والنكث: كالنقض للحبل.
قال تعالى: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً} [النحل: 92] .
وغلب النكث في معنى النقض المعنوي كإبطال العهد.
والكلام تحذير من نكث هذه البيعة وتفظيع له لأن الشرط يتعلق بالمستقبل.
ومضارع {ينكث} بضم الكاف في المشهور واتفق عليه القرّاء.
ومعنى {فإنما ينكث على نفسه} : أن نكثه عائد عليه بالضرّ كما دلّ عليه حرف على.
و {إنما} للقصر وهو لقصر النكث على مدلول {على نفسه} ليراد لا يضر بنكثه إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً فإن نكث العهد لا يخلو من قصد إضرار بالمنكوث ، فجيء بقصر القلب لقلب قصد الناكث على نفسه دون على النبي صلى الله عليه وسلم ويقال: أوفى بالعهد وهي لغة تهامة ، ويقال: وفي بدون همز وهي لغة عامة العرب ، ولم تجيء في القرآن إلا الأولى.
قالوا: ولم ينكث أحد ممن بايع.
والظاهر عندي: أن سبب المبايعة قد انعدم بالصلح الواقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة وأن هذه الآية نزلت فيما بين ساعة البيعة وبين انعقاد الهدنة وحصل أجر الإيفاء بالنية عدمه لو نزل ما عاهدوا الله عليه.